تألّق مجالس الأدب والأنس في ظل الدولة العباسية الأولى: رصد لحياة الفكر والثقافة خلال القرن الثاني الهجري

تُعد فترة الحكم العباسي الأولى، والتي امتدت منذ بداية القرن الثاني هجريًّا وحتى سقوط بغداد عام 1258 ميلاديًا، عصرًا ذهبيًا للإبداع الثقافي والفكري بال

تُعد فترة الحكم العباسي الأولى، والتي امتدت منذ بداية القرن الثاني هجريًّا وحتى سقوط بغداد عام 1258 ميلاديًا، عصرًا ذهبيًا للإبداع الثقافي والفكري بالعالم الإسلامي. شهد هذا العهد ازدهارًا ملحوظًا للمجتمعات الحضرية النابضة بالحياة وفيها تداخلت مختلف الفنون والمعارف بشكل متناغم. ومن بين هذه المجالات التي برز فيها التألق هو مجال "الأنس والأدب"، والذي تشير إليه النصوص التاريخية بأنها كانت جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس اليومية آنذاك. وقد شكلت تلك المجالس أدوات حيوية للتواصل الاجتماعي والإنتاج الثقافي.

كان لهذه المجالس دور بارز في تجميع مجموعة متنوعة ومتنوعة من الشخصيات الوافدة إلى العاصمة بغداد بدءًا من الشعراء والحكماء مروراً بالنوابغ والعظماء حتى الصناع والعمال البسطاء الذين كانوا يساهمون جميعهم بطريقتهم الخاصة بتعزيز المشهد الثقافي العام للدولة. كانت جلسات تبادل الأفكار والمناقشات المواضيعية مفتوحة عادة أمام الجميع بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية أو الاقتصادية؛ مما يُظهر مدى حرص المجتمع العباسي القوي على الانفتاح والتبادل الحر للأفكار.

وقد لعب الخلفاء أنفسهم دورا قياديا هاما في دعم وتعزيز الحياة الأدبية بشكل غير مباشر عبر سن سياسات تساهم في رفعة العلم والمعرفة. فعلى سبيل المثال، قام هارون الرشيد بإعادة تنظيم المكتبات الملكية وأصدر أمرًا بتوسعتها واستحداث صناديق خاصة بها لتسهيل البحث والاستشارة للباحثين والمستشرقين العالميين فضلاً عن إصدار العديد من التشريعات المثبتة لحرية التفكير والتعبير بما فيه الشعر والنثر وكافة أشكال الإبداع الأخرى المتاحة حين ذاك. كما استضاف بعض خلفاء بني عباس كمثل محمد المأمون نفسه عدد كبير من العلماء والشخصيات الدينية الشهيرة مثل أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكندي مؤسس مدرسة فلسفة العرب الحديثة وكذلك البوصيري مؤلف القصيدة الأشهر لدى المسلمين وهي قصيدة "البردة".

وفي نفس الوقت لم تكن فقط لقصور الحكم حصتها من نشاطاتها الاديبة فقد تنوعت أماكن تواجد مجالس الابداعات الأدبية ايضا فكانت هناك الاحياء الشعبية المنتشرة بسوق بغداد القديمة والساحات العامة إضافة للمدارس ومراكز التعليم المختلفة فضلا عن دوائر المحاكم الشرعية وغيرها الكثير مما يجعل نطاق انتشار ثقافة وفنون ذلك الزمن واسعا .

لم يكن الأمر مقتصرا على وجود تجمعات موسميه بل كان هنالك ديناميكية مستمرة للعروض الفنية وصلوات الغزل الرومانسي والانشادات الوطنيه المرتبطة بمناسبات تاريخيه مختلفة كل حسب احتياجه لذلك ، وكانت طريقة التنغيص علي الفاسدين والعنتريون باستخدام النقد اللاذع بصورة ذكية وجاذبة أحد أكثر الوسائل شيوعا لإظهار الشخصية السياسية للشاعر المؤذي لهم وقتئذٍ بالإضافة لاستخدام شعر المدح عند الولائم الملكية الكبيره بهدف تخليد اسم الشاعر وتوثيق جهوده الحقيقيه لتحقيق مكانه عالية ضمن دائرة الطبقة اجتماعيت المقدمة وذلك ما عرف فيما بعد باسم "الشعر السياسي".

في النهاية، تعتبر الفترة العباسية الاولى واحدة من اكثر الفترات تألقاً للحركة الادبيه حيث أنها حملت بذور النهضة الفكرية الاسلاميه المبكرة وضمنت لها مكانته عاليه وسط خضم الحضارات القديمه والمعاصره لها وساعدت أيضاً في ترسيخ أسس الجماليات الأدبية العربية التي ستظل مصدر إلهام للكتاب والشعراء عبر القرون التالية وما زالت تحتفظ بجماليتها حتى يومنا الحالي رغم مرور قرنين تقريبًا عليها!


ضياء الحق بن شعبان

6 Блог сообщений

Комментарии