كانت الشمس تلألأت برقة فوق رؤوسنا بينما انطلقت حافلتنا الشاغرة نحو وجهتنا البرية. كان هذا صباحًا مختلفًا؛ نهضنا مبكرًا، قلوبنا ترفرف بغبطة مكتومة. كانت الحقائب مليئة بالأمانة، تحمل فيها أفكارنا ومشاعرنا، وليمة شهية لعقولنا اللامعة. لقد تم تجهيز كل شيء - الإثارة، التحضير، الوعد بالمغامرة - جعلتنا نشعر بإحساس عميق بالإتقان.
في تلك الليلة، ترنَّم النوم على أبصارنا بجلاء الرؤية للغد المرتقب. استغرقت أحلامنا الطريق الواسع أمامنا، تَلقفت آفاق جديدة وتفاعلت مع عجائب الطبيعة المضطرمة خلف باب مغلق. عندما داهمت الساعة الثانية عشرة الليل ساكناتها الأولى، بدأ الضغط ينمو مثل ثرثرة النهر قبل اندفاعه الهادر. ضباب الغد المشع حمل معه رائحة الأحلام غير المحققة والحماس الجامح.
وفي الوقت المُحدد وصل اليوم المُنتظر بخفة لطيفة وخفة الظل. رغم أن عيوننا لم تغفل لحظة واحدة طوال الليل وهي تطلع إلى هذه اللحظات، إلا أنها الآن تبدأ بالتيه بين أشجار الحدائق الوارفة تحت ظلها البارد الناعم. ابتسمت لنا الحياة بحبورٍ صادِق وهي تستقبل رفقانا الشباب بسعادة الغامرة. ارتدى الجميع ملابسهم الأنيقة الجاذبة للأعين كهالة مشرقة حول شخصياتهم الصغيرة. اجتمع أصدقاؤنا المقربون حول قلب الفصل الدراسي منتظرين وصيف موعود منذ زمن طويل.
برزت مداخل حافلتِنا العملاقة كالبرج شاهقةً وسط الصحوة المتزايدة لهذه البلدات الجديدة. ملء حقائب الأطفال بالحياة والعجب كما امتلئت قاعة الفصل بنغمات الترحاب والمغازلات المكتومة. ولعل أغرب ما حدث هو مشهد طلابنا وهو يسيرون جنباً إلى جنب برفقة حيوانات الحديقة وكأنفسهم جزءٌ أصيلٌ ممن يعيشون هناك بحرية كاملة!
كان معلمونا هم الرابط المقدِّس بين عالمَيْ التعليم والخيال. نظّموا أدوارهم بسرعة وثبات ليضمنوا سير الأمور وفق توقعاتهم المثالية. جلس الطلبة دون أي ازدراء لبسط بطانية الطعام وشراهة تناول الطعام . لكن سرعان ما تحولت أجواء الاسترخاء تلك لأنشطة ممتعة تعلم القليل والصغير والكثير أيضًا عبر ألعاب متنوعة وغير نمطية بالإضافة لإرشادات مفيدة قدمتها مرشدات العمل الاجتماعي المهتمات بشؤون المجتمع الفتية . ظل النهار يُخطُّ بصماته على وجوه الجميع حتَّى اقتربت ساعة المغادرة أخيرا.. ولكن ليس قبل تقديم شكرك صادق تجاه جهود أولئك الذين صنعوا الفرصة لنرى العالم بشكل جديد وفريد!
يتذكر الطلاب أيامهم الأخيرة داخل أسوار مدارسهم مرددين عبارات تقدير واحتفاء لما اكتسبوه خلال فترة قصيرة نسبياً ، بل إن بعض المواقف مازالت محفورة بذاكرة كل فرد مروراً بردود فعل زملائهم وإلحاح وقع المشاهد المرئية المختلفة والتي تركت آثارها واضحة لدى الطفل المسكين والذي بات يرغب بفكرتين أساسيتين ؛ "مزيد من التجارب" و "عودة لوجهة مشابهة". هكذا إذن تكون رحلات الروضة دائمآ مفتوحة باستقبال دفعات جدد مليئة بروحه بريئة وعقل فضولي مصمم لاستيعاب جميع الأفكار والمعارف مهما اختلفت أنواعها وأنواع طرق توصيلها لمنسوبينا الأعزاء . إنها ليست مجرد رحلات كتلك التي نقارن بها فقط بل شكل من أشكال حياة أخرى تختلط فيها جميع الطبائع البشرية بمشهد بسيط ومحبـطـيـا !