التحليل النقدي للمرحلة التحليلية: رؤية جديدة في مدرسة الفنون التكعيبية

تُعدّ المدرسة التكعيبية واحدة من أهم الحركات الفنية التي شهدتها بداية القرن العشرين؛ وهي حركة فنية غايتها تحويل المفاهيم التقليدية لرؤية الطبيعة والإن

تُعدّ المدرسة التكعيبية واحدة من أهم الحركات الفنية التي شهدتها بداية القرن العشرين؛ وهي حركة فنية غايتها تحويل المفاهيم التقليدية لرؤية الطبيعة والإنسان بطريقة مبتكرة ومبتكرة. تُعتبر مرحلة "التحلل" أو ما يعرف بـ "المرحلة التحليلية"، إحدى مراحل تطور هذه الحركة الفنية الرائدة. تتسم هذه الفترة بتقسيم الأشكال إلى مكونات بسيطة وتحليلها لتعكس فهماً جديداً للأبعاد الثلاثة للأشياء.

ظهرت المرحلة التحليلية كموجة أولى للتعبير عن أفكار الفنانين الذين سعوا لتحطيم القوالب التقليدية لرسم الواقع واشتغلوا بدلاً من ذلك على بناء رؤاهم الخاصة والتي تعكس تعمقهم وفهمهم لسيكولوجيات الأشياء. كان الهدف الرئيسي لهذه الحركة هو إعادة النظر بشكل عميق في طرائق التصوير والتعبير عن العالم الخارجي.

في هذا السياق، يبرز اسم بابلو بيكاسو كأحد رواد تلك الفترة عندما بدأ برسم لوحات مثل "زوجين مع قناع" عام ١٩٠٧ والذي يُعتبر نقطة انطلاق نحو التفكير بإعادة هيكلة الأجسام البشرية وغيرها من الأشياء اليومية باستخدام تقنيات تقسيمة الأشكال واستخدام زوايا متعددة لعرض موضوعات مختلفة بنظرة ثنائية ومعقدة. كما تأثر العديد من الرسامين الآخرين بهذا النهج ومن بينهم جورج براك وجورج ماتيس وجورج سوكوفا الذين شاركو جميعاً رحلة البحث عن آفاق جديدة لفهم الحياة المرئية وتمثيلاتها البصرية.

يمكن أيضاً رصد تأثير الثقافة الأفريقية والعربية القديمة عبر استخدام بعض خصائص الرسم العربي القديم كالتركيز على الخطوط الهندسية وتقطيع المساحات لتكوين أشكال مجردة تشير للعناصر الرئيسية للحياة الاجتماعية والدينية آنذاك مما يعطي لوحات الفنانين إحساسا هندسيا وثلاثي الأبعاد مميزا عنها سابقيه وأكثر ارتباطاً بالعقلانية والفلسفة المنطقية.

إن دراسة تاريخ فنون عصر النهضة الأوروبية وعلاقتها بفلسفات التنوير ودور العلوم الرياضيات كانت لها دور كبير أيضاً في توجهات هؤلاء الفنانين الجدد تجاه تبسيط الشكل والحجم والنسب المثالية لأجزاء جسم الإنسان والشخصيات الأخرى داخل أعمال فنية تجريدية أكثر منها واقعية. وقد ساعدتهم نظريات دافنشي المتعلقة بمنظومة وجه الإنسان وخطوط توازن الجسم الإنساني بالإضافة لنظرية بروسخيلر حول الهندسة البيانو في تحقيق تقدم ملحوظ باتجاه خلق عالم بصري مختلف ومتجدد تمام الاختلاف عما سبقه قبل فترة طويلة من ظهور الطلائعيون الفرنسيون لاحقا خلال الحرب العالمية الأولى بكثير.

ولكن رغم كل الإنجازات الهائلة التي حققت وقتئذٍ إلا أنها لم تخلو أيضاَ من تحديات وانتقادات وجهت إليها بسبب طبيعتها التجريدية الصارمة والتي قد تبدو مُربكة وغامضة لدى البعض ولكن سرعان ما اكتشف الجمهور لديهم جمالاً خفياً يكمن خلف طبقات تفاصيل دقيقة تحتاج لصبر جيد وإبداع معرفي لينهل منه المعجبون بمختلف ميولهم الجمالية المختلفة لدى مشاهدة قطع مؤلفة بحرفية عالية يغمر فيها الضوء ظلماً ويختلط فيه اللون بالأبيض والأسود متحديين بذلك قوانين الفيزياء نفسها! وهذا بالتأكيد أحد عوامل نجاحاتها المستمرة حتى يومنا الحالي مستلهمين بها الكثير ممن جاؤوا بعدهم سواء برسوم متحركة أم تصميم معماري حديث.. فقد فتح لهم الباب واسعا لتطبيق نظرية ثلاثية الأبعاد ليصبح بوسع دارسين علوم الحاسبات مثلا كتابة كود البرمجيات بأنفسهم بينما سيقف غير مهتم أمام واجهة رسوميّة محاكاة واقع افتراضي تفاعلي ساحر مكتملة التفصيل!! لذلك فإن مدارس الفن الحديث والمعاصر بما اتسمت به مقومات فلسفية متعمقة تعتمد كثيرا على الدراسات الأكاديمية الحديثة تستحق الوقوف عند حدودها للإستمتاع والاستفادة المعرفيّة الوافرة المنتظرة خلف أسوار مبانيه الجامعة الجامحة ذات التأثير الكبير والمباشر مباشرةً علي مدار عقود متواصلة بزخم قابل للتحقق حال مرور عقد آخر لكل محور تم تناوله هنا وسابقة عليه وعلى امتداد قرنين كاملين حتّى الآن !!!


سميرة بن فارس

12 Blog indlæg

Kommentarer