شهد العصر المملوكي ازدهاراً غير مسبوق للشعر العربي بشكل عام وشعر المدح على وجه الخصوص. هذا الأسلوب الشعري كان له مكانته الخاصة آنذاك، إذ تعكس القصائد التي كتبت فيه تقدير المجتمع المُعاصر للمآثر البطولية والتاريخ الطويل للإسلام والعالم الإسلامي. سنستعرض هنا بعض الخصائص الرئيسية لشعر المدح الفريد الذي ظهر أثناء هذه الفترة الزمنية الحيوية.
أحد أبرز سمات شعر المدح في زمن المماليك هو التركيز الشديد على بطولات المحارب والفروسية. كثيراً ما كانت الأشعار تُمجّد سلوكيات مثل الشجاعة والحزم والتفاني في الدفاع عن الوطن والدين. مثلاً، يمكن رؤية ذلك واضحاً عند دراسة قصيدة "البردة" لأبي الطيب المتنبي والتي يُمجّد فيها السلطان سيف الدين قطز بعد انتصاره الكبير ضد المغول.
بالإضافة إلى ذلك، تضمنت أشعار تلك الفترة غنىً أدبياً وعروضياً كبيراً. استخدم الشعراء تقنيات متنوعة لإضفاء الجاذبية والألق على أعمالهم، بما في ذلك استخدام الرجز والجناس والكناية وغيرها الكثير من الاستعارات البلاغية الأخرى. كما حرصوا على اختيار الكلمات بدقة لتعزيز المعنى العام للقصيدة وجعلها أكثر تأثيراً لدى القارئ والمُستمع على حد سواء.
كما تجدر الإشارة أيضاً إلى الدور الرئيسي للدولة نفسها ودعمها لتلك الفنون الأدبية والثقافية المختلفة - وهو الأمر الذي ساعد وبشكل كبير في تطوير وتعزيز هذا النوع الخاص من الشعر. لقد حظيت الأعمال الأدبية بمكانة عالية بين النخب السياسية والثقافية في المجتمع نفسه، مما أدى بالتالي إلى زيادة اهتمام الناس بشعر المدح وتقديره.
في المجمل، يمثل شعر المدح في عصر المماليك نموذجا فريدا يعكس التقاليد الثقافية والاجتماعية والمعارك التاريخية الضخمة لهذه الحقبة. إنها ليست مجرد عبارات مديح بل هي شهادة قيمة حول عظمة الأمجاد الإسلامية وأثرها المستمر حتى يومنا الحالي.