رحلة الشعور عبر 'معلقة النابغة الذبياني': تأملات في قصيدة 'يا دار مية'

تنتمي المعلقة الشهيرة "يا دار مية" إلى النابغة الذبياني، أحد أشهر شعراء الجاهلية والعصر الأموي. هذه القصيدة التي تعتبر واحدة من أهم المؤلفات الشعرية ا

تنتمي المعلقة الشهيرة "يا دار مية" إلى النابغة الذبياني، أحد أشهر شعراء الجاهلية والعصر الأموي. هذه القصيدة التي تعتبر واحدة من أهم المؤلفات الشعرية العربية القديمة، تعكس عمق المشاعر الإنسانية والقيم الثقافية التي كانت سائدة في ذلك الوقت.

في بداية القصيدة "يا دار مية"، يستخدم الشاعر صورًا شعرية غنية لوصف جمال وطنه ومكان ميلاده الذي تركه خلفه. يقول: "يا دارَ ميَّهٍ بالحمى حَمْراءِ". هنا، يصور الدار كسيدة جميلة تحتضنها الشمس الحمراء خلال النهار، مما يعطي إحساساً بالحنين والشوق للتراب الأصيل والأماكن المحبوبة.

ثم ينتقل النابغة بسلاسة إلى وصف الطبيعة المحيطة بهذا المكان، مشيراً إلى أنه رغم الرحيل الظاهر إلا أنه لم يفقد ارتباطه بالأرض وأهلها وأصداء الماضي فيها. يؤكد على هذا الارتباط العميق عندما يقول: "أهديتُ عيني ما بين القاع والحشرجة". يشير هنا إلى نهرين معروفين آنذاك هما القاع والحشرجة اللذان يحملان ذكرياته وبصماته الخاصة.

كما يبدو واضحاً مدى احترام وتقدير النابغة لعائلته وعادات مجتمعه، فهو يسأل بصوت مليء بالعطف والتساؤل: "كيف حال آل سلمى بعد رحيلي؟ هل هم بخير وما زالوا محافظون على تراث آبائهم وشعائر دينهم؟". وهذا يدل على مستوى عالٍ من الالتزام الاجتماعي والثقافي حتى أثناء الغربة والنأي بالنفس.

وفي النهاية، يعرب الشاعر عن رغبته الحقيقية في إعادة الزمن للوراء ولو للحظة واحدة فقط ليستعيد تلك الأيام الرائعة ويعيش مجدداً لحظات العمر الأولى رفقة أحبائه ورفقاء دربه القدماء. وهذه الرغبة هي دليل قاطع على قوة تأثير البيئة والمجتمع والعائلة في تشكيل شخصية الفرد وتعزيز تماسكه وفخره بذاته وثقافته.

وفي نهاية المطاف، تبقى معلقة النابغة الذبياني شاهدة على فنونه الأدبية وإتقانه لألفاظ اللغة العربية وتعبيراته البلاغية، كما أنها تحمل رسالة هامة حول اهمية الروابط الاجتماعية والجغرافية للعلاقات الشخصية والإنسانية بشكل عام.


المنصوري الزوبيري

6 مدونة المشاركات

التعليقات