كان العصر الأموي فترة ازدهار كبير للشعر العربي، وبرز فيها العديد من الشعراء الذين قدموا مساهمات فريدة ومتميزة في مجال الشعر الغزلي، خاصة تلك التي تعكس المشاعر النقية والعذبة "الغزل العذري". هذا النوع الأدبي يركز بشكل أساسي على وصف الحب بطريقة رقيقة ونبيلة، بعيداً عن التصريح الصريح والمباشر للمشاعر الجسدية. سنستعرض هنا بعض الشخصيات البارزة في ساحة الشعر العربية خلال هذه الحقبة الزاهية.
أحد أهم رواد الغزل العذري في ذلك الوقت كان الشاعر ابن معتوق، واسمه الحقيقي عبد الله بن محمد بن علي الخزاعي. اشتهر بشعره الهادئ الرفيع، والذي غالباً ما يعبر عن حب عفيف ومتسامي نحو محبوبته الجميلة ذات الوجه البرَّاق والشعر الأسود الناعم. كانت قصائده مثالاً رائعاً للغة الشعرية الرقيقة والمشاعر العاطفية المؤثرة.
الإمام الشافعي أيضاً له مكانة مميزة بين شعراء الغزل العذري بالعصر الأموي. رغم شهرته الواسعة كفقيه ومحدث مسلم، إلا أنه كان صاحب موهبة شعرية كبيرة استمرت طوال حياته. كتب الإمام العديد من القصائد التي رسمت لوحات جميلة للحب الطاهر والسلوك الأخلاقي الراقي. اتسم شعره بالتواضع والتأدب والاحترام المتبادل ضمن العلاقات الرومانسية.
على الرغم من عدم وجود دليل مؤكد على انتمائه للعصر الأموي تماما، فإن جمال الدين بن سعد المغربي يُعد أحد أشهر شعراء الغزل العذري عبر التاريخ الإسلامي عامةً، وليس فقط محصورًا بهذا العصر. لكن نظراً لقدرته الفائقة على التعبير عن مشاعر الحب والعشق بصورة راقية واحتشام، فإنه يستحق ذكره ضمن هذا السياق أيضًا. امتلأت أشعار بن سعد بالوصف الدقيق للأجواء الطبيعية وأحاسيس القلب المشتاق مما جعلها تحظى بمكانة مرموقة لدى جمهور القراء منذ القدم حتى يومنا الحالي.
ومع مرور الأيام وتطور المدونات الأدبية عبر القرون التالية، ظل هؤلاء الشعراء وغيرهم ممن ساروا على دربهم رمزًا للتراث الثقافي الإنساني الغني والمعنوي بتقديمه فناً أدبياً جميلاً نابعاً من أعماق النفس البشرية وفرادتها وتعابيرها المختلفة تجاه الحياة والحبيب والأوطان والأرض وما حوى الكون من عجيب وغريب!