التحول الحداثي للشعر العربي: دراسة مقارنة بين عصرَيْ الأمويِّ والعُبَاسيَّ.

استشرف الشعر السياسي في العالم الإسلامي تحولات عميقة خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين، عندما انتقل مركز الثقافة العربية والإسلامية من الأندلس إلى

استشرف الشعر السياسي في العالم الإسلامي تحولات عميقة خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين، عندما انتقل مركز الثقافة العربية والإسلامية من الأندلس إلى خراسان وشرقي إيران تحت حكم الأسرة العباسية. هذا الانتقال الجغرافي الكبير ترك بصمة واضحة على طبيعة وأسلوب الشعر السياسي آنذاك.

خلال الفترة الأموية، كان الشاعر غالبًا ما يقف ضد السلطة ويواجه السلطة بنقد قاسٍ وصريح. هذا النمط ظهر بشكل بارز في شعر كبار الشعراء مثل جرير والحجاج بن يوسف الثقفي. تصور قصائدهم الصراع الاجتماعي والسياسي بطريقة مباشرة جداً، مما يعكس الروح الثورية التي سادت تلك الحقبة.

وعلى الجانب الآخر، شهد العصر العباسي تغيرات كبيرة أدت إلى تغيير جذري في طبيعة الشعر السياسي. مع انتقال المركز الثقافي نحو الشرق، بدأ ظهور طابع أكثر تعقيداً وفنياً للخطاب الشعري. بدلاً من التركيز الرئيسي على الحرب والصراع المباشر، أصبح الاهتمام ينصب حول الجماليات والألفاظ الغنية والمعاني المجازية. هنا يمكن رؤية تأثير ثقافات شرقية مختلفة مثل الفارسية والتركية والمصرية، والتي أثرت جميعها في الأدب والشعر السياسي العباسي.

شعر البلاط الملكي للعباسيين، والذي كتبته شخصيات مثل أبو نواس والبحتري، قدّم نموذج جديد لكتابة القصائد السياسية ضمن المحكمة. هذه الأعمال كانت تحمل رسائل سياسية ولكن بكيفية رمزية ومحفوظة اجتماعياً، متجنبة المواجهة المباشرة واستبدالها بالدبلوماسية والشعر الجميل. كما سلطت الضوء على القضايا الاجتماعية والدينية، خاصة بعد انتشار الزهد والتأثير الديني المتزايد.

يمكن اعتبار هذه التحول من الخطاب الشعري الأموي إلى الطراز العباسي العمودي نقطة محورية في تاريخ الأدب العربي، حيث يعكس ليس فقط التحولات السياسية والجغرافية بل أيضاً تطورات المجتمع وثقافته عبر قرون عديدة.


رملة البوزيدي

3 Blog posting

Komentar