الأوصاف الشاعرية للأسد في الأدب العربي: قراءة تحليلية

تُعدّ قصائد العرب عبر التاريخ مصدرًا غنيًّا بالأوصاف الرائعة التي تصوِّر الأسود بكل اقتدار وجمالٍ وحكمة. إنَّ الشاعِرَ حينما يصف هذه الفرائس الجبارة ف

تُعدّ قصائد العرب عبر التاريخ مصدرًا غنيًّا بالأوصاف الرائعة التي تصوِّر الأسود بكل اقتدار وجمالٍ وحكمة. إنَّ الشاعِرَ حينما يصف هذه الفرائس الجبارة فإنّه يعكس ارتباطَه العميق بثرواته الطبيعية وتراثه الثقافي الغني بالرمزيات والمعاني الدالة. سنستعرض هنا بعض الأمثلة البارزة لهذه الأوصاف كما وردت في الأشعار العربية الكلاسيكية والعصرية.

كان للشعر الجاهلي والبداوي دوره الريادي في إبراز قوة وعظمة الأسود؛ فقد كانا نوعين شعريين مرتبطين بشكل وثيق بالحياة الصحراوية وبالتالي بتلك الحيوانات البرية القاتلة كممثلين لها. يقول أبو ذؤيب الهذلي في معلقته الشهيرة: "ألا هيهات هيهاتَ إنَّ عهدي ... بِالبَيْنِ لم ينقطع منذ ليلة". ويصور لنا هنا شجاعة الأسد وانتزاعه لأرفع مكان بين الحيوانات الأخرى. أما امرؤ القيس الطائي فيقول: "وقفت مكتوفاً كأن موقفي ... مقام أبي حية يوم خنس". وهنا يقارن المرء نفسه بشجاعة أسد الركب الذي يقف شامخاً عند الخطر مهما بلغ مألمه.

وفي العصر الإسلامي المبكر، نجد تناغمًا رائعًا بين صفاته الشخصية ومعاصره الملكية عندما وصف حسان بن ثابت رضي الله عنه النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه "مثل الأسد" لما يتسم به هذا الأخير من رهبة وجلال وجلالة القدر. وفي عصر النهضة العربية الحديثة، استمر الشعراء بإحياء مواضيع مشابهة لكن بصياغات أكثر تعبيرًا؛ فابن خلدون مثلاً يُشاد لفترة حكم بني أمية بأنها فترة "من أسدين متعاقبين"، مرجعًا بذلك ملكهم إلى تلك الحامية الضارية للمملكة البيزنطية القديمة والتي كانت تُسمى كذلك باسم "الإسكندر الأكبر".

وتواصل العديد من الأعمال الأدبية المعاصرة هذا النمط الشعري القديم بطرق جديدة ومبتكرة لإبهار المتلقي وإشعاره بالقوة والتحدي. فعلى سبيل المثال، يشيد أحمد زكي أبو شادي بالنظام السياسي المصري عقب ثورة يوليو عام ١٩٥٢ مستخدمًا صورة رمزية للإله الفرعوني آمون - المُمسك برمحه مثل راية الانتصار–والذي يرتدي جلد أسد مُدَرَّع بدروع الشمس فوق عظامه الواقية الصلبة! بل ويمكن أيضًا تتبع ظاهرة مماثلة لدى روائيين محبي استخدام المجاز كالكاتب نجيب محفوظ حيث يقارن شخصية البطولة في رائعة "الثلاثية" بحضور حيوان مفترس قاطع الطريق أثناء رحلتهم نحو حضارة المدينة المستقبلانية الجديدة.

إن تراثنا الشعري الاستثنائي مليء بمختلف صور وأسلوب العرض التشبيهية لأبرز خصائص الأنواع المختلفة من الحياة البرية المحلية والخارجية والتي تهدف جميعها لجذب انتباه القارئ وتعزيز تقديره واحترامه للحاضر والمستقبل لكل ما هو طبيعي وصحيح إنسانيًّا واجتماعيًّا.


سارة السيوطي

5 مدونة المشاركات

التعليقات