تُعد قضية سد النهضة الإثيوبي إحدى أكثر القضايا حساسية ومثاراً للجدل في المنطقة الأفريقية خلال العقود الأخيرة. يقع هذا السد الضخم على نهر النيل الأزرق، أحد روافد نهر النيل الرئيسي، ويخطط لإنتاج الطاقة الكهرومائية بمستويات كبيرة تعتبر الأولى من نوعها في إفريقيا. ومع ذلك، فإن تأثير المشروع ليس محصوراً فقط في مجالات الطاقة والإنتاج الصناعي؛ بل تمتد التأثيرات إلى جوانب سياسية واقتصادية حيوية لكل من مصر وإثيوبيا والدول الأخرى التي تتشارك بالنهر.
من الناحية الاقتصادية، يمكن لسد النهضة أن يُحدث ثورة في المشهد الاقتصادي الإثيوبي. ستوفر كميات هائلة من الكهرباء اللازمة لتلبية الطلب المتزايد داخل البلاد، مما يدعم التنمية الصناعية ويحسن مستوى معيشة المواطنين عبر توفير فرص العمل وزيادة الدخل. بالإضافة لذلك، قد يساهم مشروع كهذا أيضاً في تحسين الأمن الغذائي وأنظمة الري المحلية. ولكن هذه المكاسب ليست بدون تكاليف محتملة، خاصة فيما يتعلق بتأثير انخفاض تدفق المياه على دول مثل مصر والسودان والتي تعتمد بشدة على مياه نهر النيل لاحتياجات الزراعة والاستخدامات المنزلية والمياه العذبة.
ومن الجانب السياسي، يكشف بناء سد النهضة عن طبيعة العلاقات الدولية المعقدة بين أديس أبابا والقاهرة. تشعر مصر بالقلق بشأن تأثير السد على حصتها التقليدية من المياه وبالتالي مستقبل زراعتها وصناعة الغذاء المستمرة منذ قرون. وقد أثارت مخاوف القاهرة حول إدارة ملء بحيرة السد وتشغيل توربيناته الخلافات الثنائية والتوترات الإقليمية وسط جهود السلام الجارية تحت رعاية الاتحاد الأفريقي. وعلى الرغم من أهميتها بالنسبة لمصر، إلا أنه يجب النظر أيضًا إلى وجهة نظر إثيوبيا كحاجة أساسية للتقدم التنموي وتحقيق الاستقلال الوطني ضمن سياق تاريخ طويل من الاضطهاد الاستعماري والمعاناة الاقتصادية.
في المجمل، يعد سد النهضة مثال حي على كيفية ارتباط الشؤون البيئية بالقضايا السياسية والاجتماعية ذات العمق التاريخي والثقافي الكبير. فهو يعكس حاجة الدول الأفريقية للمساعدة الذاتية لكن أيضاً مسؤوليته تجاه الآخرين الذين يشتركون فيها نفس الموارد الطبيعية الحساسة. إن الحل النهائي لهذه المسألة يحتاج إلى نهج متوازن يأخذ بعين الاعتبار حقوق جميع الأطراف المعنية ويتماشى مع مبادئ العدالة الاجتماعية والبيئة العالمية.