في الصحراء الواسعة التي تعكس روح الفروسية والعزلة, يجد الشعراء البدو طريقيهم إلى قلوبنا عبر قصائدهم الرقيقة. واحدة من أكثر الصور الوضوحاً التي يستعين بها هؤلاء الفنانون هي "كحل العين". هذا الرمز ليس فقط جمالي ولكنه أيضاً يعبر عن عمق المشاعر الإنسانية. جمال المرأة العربيّة كما وصفها شعراؤنا القدماء كان غالباً مرتبطاً بنظرتها الحالمة وكيف كانت عينيها الجميلتين تتلألأان كالكحل.
في شعر طرفة بن العبد، نرى كيف يمكن لكلمة بسيطة مثل "كحل" أن تصنع صورة لا تُنسى: "ما زالت خَلَقَتْ كُحلَ عينِهِ/ وتَرَكتْ مِن قِلَّتِها لُمَعَا." هنا، يشير الطرف إلى تلك النظرة الدافئة التي تركتها حبيبته عليه - نظرة مليئة بالحب والحنين.
بالانتقال نحو جيوش بن عوف الضبعي، نجد أنه استخدم نفس الصورة بشكل مختلف تماما. في قصيدته الشهيرة "أنا ابن أبي سفيان"، يقول: "وكأنّني قد قلت لمّا ألقيت/ يا سهلاً وراح برحيلكم ذنبي". رغم الظروف القاسية والمعارك المريرة، يبقى عشق الوطن والأهل ثابتاً ومستمراً كالنظرات الدائمة لحبيبة القلب.
هذه الصور ليست مجرد استخدام للألفاظ الجميلة ولكن لها معاني عميقة ومتعددة الأوجه. فهي تعكس قوة الحب والتعلق الشخصي والفخر الوطني كل ذلك ضمن لوحة بيئة صحراوية آسرة. لذلك فإن ذكر "كحل العين" في الشعر البدوي له مكان خاص جداً يحكي قصة ثقافة وأسلوب حياة كاملة وليس مجرد مشهد بصري جذاب.