تعدّ قصيدة "المساء"، إحدى أهم الأعمال الشعرية التي تركها الشاعر اللبناني الكبير خليل مطران، بمثابة شهادة حية على تراثه الأدبي الغني وتأثره بالتيارات الفكرية والثقافية المتنوعة خلال الحقبة العثمانية وما بعدها. هذه الدراسة ستستعرض بشكل مفصّل رحلة القراءة الأسلوبية لهذه القصيدة، مستندة إلى تحليل عميق للألفاظ والمعاني والتراكيب المستخدمة، مع التركيز على الجوانب الثقافية والفنية التي شكلت جوهر عمل مطران هذا.
يُظهر "المساء" تأثيرات ثقافتين رئيسيتين أثرتا بشدة في شعر مطران - الشرق القديم والغرب الحديث. يمكن ملاحظة ذلك بوضوح في اللغة والشكل والمحتوى. ففي الجانب الشرقي، نرى الاستعانة بالأمثلة التاريخية والنصوص الدينية والعادات التقليدية في الشرق الأوسط، مما يعكس روابطه الوثيقة بجذوره العربية والإسلامية. بينما يتمثل التأثير الغربي في استخدام الأشعار الحديثة وطرق كتابة جديدة كانت رائجة آنذاك في أوروبا.
إن تنظيم أبيات القصيدة يعتمد أيضاً على هيكل تقليدي شرق أوسطي، باستخدام البنية البلاغية المعروفة باسم الرجز، والتي تتكون عادةً من بيتتين متوازيتين طولياً وفكرياً. ومع ذلك، فإن تطوير بعض المواضيع مثل جمال الطبيعة واستخدام التشبيه المجازي يشير إلى ميول غربية أكثر تنوعاً وحرية تعبير.
بالإضافة لذلك، يستخدم الشاعر مجموعة واسعة ومتنوعة من الصور والأوصاف البيانية لإبراز مشاعره وأحاسيسه تجاه الظلام الآتي بعد غروب الشمس ومجيء الليل. إن اختيار هذه الصفات والحالات النفسية ينبع جزئياً من تجارب الحياة الشخصية لمطران، لكن معظمها مدعم بتقاليد أدبية قديمة وعلم نفس إنساني عام.
وفي الختام، تعد دراسة "المساء" كعمل شعري مهم فرصة فريدة لفهم كيفية توافق المطران بين التراث الإبداعي الطويل للشعر العربي وبين التوجهات الجديدة الناشئة ضمن سياقه الخاص وطموحات عصره نحو تحديث الفنون الأدبية. إنها دعوة للاستكشاف المشترك لكل ما هو شرقي وغربي داخل روح واحدة هي روح الخيال الإنساني الواسع غير المقيد بحدود المكان والزمان.