منذ الأزل, ظلت قصائد الغزل تعكس نبض القلب الإنساني وتعبر عن مشاعر الحب والعشق بكل ألوانها وأشكالها المختلفة. الشعر العربي غني بشعراء كبار كتبوا أجمل ما يمكن كتابة حول هذا الموضوع الحساس والمعقد. بدايةً من الجاهليين حتى يومنا هذا، ظل شعر العشق مصدر إلهام للمثقفين والفنانين ورواد الأدب.
في زمن الجاهلية، برزت أسماء مثل امرؤ القيس وعروة بن الورد في مجال شعراء الحب. أمثالهما تركوا لنا تراثاً شعرياً يضيء طريق المحبين ويصف عواطفهم المتوقدة. يقولون إن "الحب نار تأكل القلب"، وهذا الشعور عبّر عنه الشاعر الجاهلي عروة بن الورد حين قال: "ألا لهفتي عليك يا بدرُ/ قمرٌ وراء سحابٍ خَلق".
مع ظهور الإسلام, تغير توجه بعض الشعراء نحو مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم وغزل النساء بشكل أكثر تهذيباً وتقشفاً. ولكن لم يقصر شعراء ذلك الوقت في نقل جماليات الحب والحنين. نجد مثلاً أبو نواس, الذي رغم شهرته بالخمريات, قدّم أيضاً العديد من القصائد الجميلة التي تلمس عمق المشاعر الرومانسية. إنه غنى للحبيب قائلاً: "أرى الناس يهيمون بحسن الخليل/ ولولا حسن وجهه ما هوت قلوب".
وفي فترة العصور الوسطى, تفجر نهر الغزل مجدداً مع حضور قامات بارزة مثل ابن الفارض وابن عربي وابن سناء الملك. انعكس تأثير فلسفة الصوفية عليهم وعلى طريقة رؤيتهم للعشق. كانا يؤمنون بأن عاشق الحق والحقيقة هو أساس كل حب روحي ودنيوي. فالشيخ محي الدين ابن عربي يشرح هذه النظرية بعمق عندما يقول: "يا حبيبي لا تحسب نفسك إلاّ مرآتي لأنَّ صورتي فيها تنظر".
ومع مرور الوقت والتطور الثقافي, استمر فن الوصف والإيحاء بالحالة النفسية للشاعرة - سواء كانت نحولاً أو سماحة -, كما فعل الشاعر المصري حافظ إبراهيم بقوله: "يا ليل الصبر طويل وسهر الليالي معدومه/ فمتى يبقى لي نهار بين ثغرِ هادمِ المنامِ؟!". وفي العصر الحديث, مازالت أعمال صلاح عبد الصبور وسركون بولص وبدر شاكر السياب تلهم عشاق الشعر وتعكس الواقع الاجتماعي والنفس الانسان بطابع جديد ومبتكر.
إن تاريخ شعر العشق يدل على مدى ارتباط الإنسان بهذا الشعور القدسي منذ القدم, وهو جزء حيوي من ثقافتنا ومعتقداتنا الاجتماعية والقلبية. إنها رسائل حقيقية ترسم صورة الحياة بفروقاتها ونضالاتها وإنجازاتها.