في عالم الفلسفة الغني والمليء بالتحديات، برزت حركة فكرية بارزة تعرف بمدرسة الوجودية. هذه الحركة ليست مجرد وجهة نظر فلسفية أخرى؛ بل هي رؤية متعمقة ومتشابكة للحياة الإنسانية والتجربة الشخصية والحقيقة الواقعية. بدأت ملامحها الأولى مع كتاب "السؤال حول الإنسان" لجان بول سارتر، لكن جذورها تعود إلى أعمال فريدريك نيتشه وفيلسوفون سابقين مثل Søren Kierkegaard وMartin Heidegger.
تتميز المدرسة الوجودية بثلاثة خصائص رئيسية تنير كيفية فهم الأفراد للعالم من حولهم وتفاعلاتهم معه. أولاً، تؤكد الوجودية بشدة على الحرية الفردية كجوهر أساسي للإنسان. يرى سارتر وأتباعه أن كل فرد حر تماماً في اختياراته وسلوكه، وأن مصيره ومستقبله ليس محدداً سلفاً من قبل قوى خارجية أو غيبيّة. هذا يعني أنه حتى وإن كانت الظروف الخارجية قد تحدّد بعض القرارات المتاحة لنا، فإن الطريقة التي نتلقى بها تلك الظروف والتي نحولها بها هي قرار شخصي خالص.
ثانياً، تحتفي الوجودية بمعاناة الحياة ومعنى عدم اليقين فيها. بينما يجد البعض الراحة والأمان في الضمانات، ترى الوجودية أن جوهر التجربة الإنسانية يكمن في مواجهة اللايقين والشك وعدم الاستقرار. وفقا لهذه النظرية، عندما نواجه أو نقبل الألم والمعاناة غير المؤكدة، يمكننا أن نكتشف حريتنا الحقيقية ونرفع من قدرنا الشخصي. تُعد الكآبة والصراع الداخلي جزءاً أساسياً مما يعطي حياتنا العمق والمعنى حسب الرؤية الوجودية.
وأخيراً، تتبنى الوجودية نهجاً ذاتيًا للغاية في البحث عن المعرفة الحقيقية والفهم العميق لنفسنا وللعالم. بدلاً من الاعتماد على القوانين الطبيعية الثابتة أو الأنظمة العامة خارج الذات، تدعو الوجودية الأفراد إلى الانخراط مباشرة في تجربتهم الخاصة والسعي لفهم العالم بناءً عليها. وهذا ما يعرف بأنه "الذاتي"، وهو جانب بالغ الأهمية للمدارس الفكرية الحديثة أيضاً بما فيها علم الاجتماع وعلم النفس الحديث.
في خلاصة الأمر، تقدم المدرسة الوجودية نظرة فريدة للأمر تشجع التفكير الحر والاستقلالية الشخصية والبحث المستمر عن الحقيقة داخل التجارب اليومية لكل واحدٍ منّا. إنها دعوة لاتخاذ مسؤولية اختياراتنا واحتضان تلك اللحظات الصعبة باعتبار أنها مصدر قوة وشكل احتجاج ضد حدود التجربة المشتركة الجامدة.