في حضن الذاكرة، قصائد لم تغادر

إن الحديث عن الجدات، خاصة عندما تتعلق القصة بجدة غالية ومحبوبة كأم، يمتلئ بالشعور الدافئ والحنين العميق إلى أيام الطفولة الجميلة. إنها تلك الشخصيات ال

إن الحديث عن الجدات، خاصة عندما تتعلق القصة بجدة غالية ومحبوبة كأم، يمتلئ بالشعور الدافئ والحنين العميق إلى أيام الطفولة الجميلة. إنها تلك الشخصيات التي تحمل بين طياتها حكايات الآباء والأجداد، وتنسج خيوط الحب والعطف حول أفراد الأسرة بكل بساطة ورحمة. جدتي كانت منبع الحنان ورجل المعرفة لصغيرتنا.

كانت جدتي - رحمها الله - مصدر إلهام متواصل لنا جميعاً؛ فقد علمتني الكثير ليس فقط عبر أقوالها ولكن أيضاً من خلال أفعالها اليومية البسيطة. تعلمت منها كيف تكون الصبر والتواضع فضائل نبيلة يجسدها العمل الجاد والمستمر رغم كل التحديات. ذكراها باقية محفورة في ذاكرتي وفي قلوب أحبتها حتى بعد رحيل جسديها الفاني.

منذ طفولتها المبكرة وأنا أتذكر صوت ضحكتها الخافت وهو ينساب مثل أغنية هادئة مهدئة لقلبي المضطرب بعد عودتي المتأخرة مساءً من مدرسة بعيدة. كان حضورها المريح يجعل المنزل يشعر وكأنّه ملاذ للعائلة الصغيرة. لقد سهرت ليالي كثيرة وهي ترعى أخوتي الصغار بينما كنت أنا خارج لعب كرة القدم مع الأطفال الآخرين في الحي القديم. كانت تمسك بتلك اللحظة بصبرها وعطفها الرحب كبطلة خارقة مجهولة بالنسبة لعيني الطفل آنذاك!

لا يمكن نسيان الأمسيات المكتظة بروائح خبز الزعفران المنبعث من مطبخها الضيق لكن الرائحة عطرة جداً! كم شعرت بالسعادة حين أشاهد يدَيه ترتشفان الماء المغلي لإعداد شاي المساء المرتقب دائمًا، ممزوجا بالعسل كما يحلو لها دائما بدلاً عن السكر العادي المحلى!. وبينما يجثم الجميع حول "صوفا" غرفة جلوس صغيرة نسبياً والتي تسع خمس نفرات تقريباً بكل براعة، تبدأ في مشاركة تجارب الماضي بطريقة تأسر مسامع المستمعين إليها بحرفيتها المؤثرة ولغتها الرقيقة الشاعرية.

لم تكن معرفتها بالمطبخ محدود فقط بالأطعمة المقدمة فحسب بل امتد الأمر لتشمل نظرته الاجتماعية أيضاُ. فكانت تحكي قصة كل طبق وفق ما يعكس ذات الشخصية الإنسانية له فهو أكثر من مجرد وجبه غذائية مغذيّة للجسد وإنما غذاء ثقافي للحياة الروحية كذلك.. إن أسرار فنون طبخة الطعام لدى نسوة قومنا العربيات تخفى تحت جلد حرفهنّ وحكمتهن نظراً لما تعانيه المرأة العربية التقليدية من ظروف حياتية مختلفة تمام الاختلاف عما اعتاده البعض اليوم بسبب الثقافة الحديثة وما رافق ذلك من تغيرات اجتماعية عميقة للغاية مقارنة بما مضى عليه الدهر زماناً قبل سنوات قليلات! لذلك فإن لكل نوعٍ وصفةٌ خاص بها مرتبطة بذكرياتها الخاصة الخاصة هي وحدها تعرف سر إتقان إعدادها بشكل ممتاز ولا أحد غيرها يعرف الوصفة كامله كامله إلا إذا شاركت السر لمن تستحق الثقة حق الثقة وغرس قيمة نقل العلم والمعارف الي الآخرين .

كان لمساحة جلساتها أمام البيت المفتوحة دلالاته الخاصه ايضاُ ، فهناك حيث حمام الشمس يسقي الأرض بريقه الذهبي الواسع ظهرت روح الفن والإبداع لديها إذ تستخدم زهور الأقحوان البرية الجميلة المنتشرة بكثره جنبات ساحات البيوت الريفية القديمة فتزهو بذلك المشهد الطبيعي الخلاب مما يرسم ابتسامة رضائِ على محياهِ جمال هذا العمل اليدوي اليدوي اليدوي الذي تؤدى بدون أدنى رياءٍ ونفاقٍ مُظهريين !

وما أجدرنا لأن نتوقف وأن نتأمل لحظاتها الأخيرة معنا ُهي حالة فريده يصعب تكرار مثيلاتها مستقبلاُ بسبب تغيير نمط حياة مجتمعات البشر وشكل الحياة الحديثة الجديدة المختلف كلياُ عما سبقتاه !! فالوقت الأن أصبح وقت بحث واستثمار وخوض مجالات جديدة قد تنفع الفرد والمجتمع عموما ولكن يبقى جزء كبير منه مشغول بمطاردة الترفيه والسعي نحو المزيد من الإنجازات المادية التي بات يتم التسابق خلف تحقيق مكاسب مادية تنافسيه جعلت قيمه أخرى تآكل بعض الشيء ولم يعد هناك الوقت المناسب للاستماع لأحاديث الأمهات والاجداد الذين تركوا بصمه واضحه فى تاريخ الاسره الكبير!!

ختاما وليس انتهاء : لن نتوانى يوماً واحداً عن كتابة قصيده appreciation للشخصيات البارزة داخل المجتمع العربي البعيد والقريب ممن زرعت فيها روح الانسانيه وفلسفة الحياة ومعنى التعامل الاجتماعي الراقي والذي هو أساس نهضة الشعوب وتطورها للأفضل دوما....


سارة بن عزوز

30 مدونة المشاركات

التعليقات