فن التوقيعات: قمة الإبداع الادبي في عصر الخلافة العباسية

في زهرة حضارتها وثرائها الثقافي, شهد العالم الإسلامي خلال القرن الثاني للهجرة تطورا ملحوظا في مختلف الفنون والأدب. واحداً من هذه التحولات الجميلة هو ظ

في زهرة حضارتها وثرائها الثقافي, شهد العالم الإسلامي خلال القرن الثاني للهجرة تطورا ملحوظا في مختلف الفنون والأدب. واحداً من هذه التحولات الجميلة هو ظهور وتطور 'فن التوقيعات' - وهو نوع فريد من أنواع النثر الأدبي والذي أصبح رمزاً للتواصل الدبلوماسي والسياسي بين الخلفاء العباسيين ومختلف الشخصيات الرسمية.

تُعرّف التوقيعات بأنها رسائل قصيرة لكنها غنية بالإيحاء والمعاني، يتم كتابةها بخط اليد من قبل الخليفة نفسه كختام لرسائل موجهة إليه. ويصف الدكتور شوقي ضيف، المؤرخ والمترجم المصري الشهير لهذه الظاهرة قائلاً إنها "عبارات مختصرة ولكن مؤثرة جداً تستخدم لتوجيه الأمور السياسية. لقد انبعثت هذه التقليد من ثقافة الفراعنة والفars واستلمتها المملكة العباسية بتفرد وبراعة".

ومن السمات البارزة لهذه العبارات القصيرة: الإيجاز البلاغي، دقة الصياغة، متانة التركيب، قوة المعنى، نفاذ التأثير، تنوع الأساليب بين الانشائي والخبري، استخدام الاقتباسات الدينية والشعرية، الغنى بالمفاهيم الدلالية، الإيقاع الموسيقي الواضح، الجدية والصرامة في النصوص بالإضافة لاستخدام الاستعارة والاستشهاد كوسيلة للإظهار الفكر والثقافة.

ويرجع انتشار هذا النوع من الفن إلى عدة عوامل رئيسية متعلقة بسياق التاريخ السياسي والديني للدولة العباسية آنذاك. فقد احتاجت الدولة الجديدة للحفاظ على مكانتها الناشئة بعد سقوط دولة بني أمية, ولذلك وجدت في التوقيعات أداة فعالة لنشر سلطتها وإدارة البلاد بكل تأكيد وتأكيد سلطة السلطان. كما لعب التعليم العالي للخلفاء العباسيين دوراً محورياً هنا اذ استخدموه لغرض نقل رؤاهم والتعبيرعن شخصيتهم الأدبية الراقية من خلال اللغة العربية والبلاغة ذات المستوى الرفيع.

كما أثرت أيضًا التجارب الثقافية المشتركة مع الحضارات الأخرى بإفراز إبداعات جديدة كمزيج عربي فارسي مميز. مثال على ذلك يمكننا مشاهدته عند النظر الى بعض التوقيعات الرئيسة للعصر. مثلاً كتب أبو العباس السفاح : "من صبر أيام الضيق فتشارك بنعم الله", فيما قال ابو جعفر المنصور : "هلّم جيوشك وطهرها فإن النيل سيفتح لك طريق الخير." أما هارون الرشيد فقال :"لقد زرعت الطاعة ثمارها وفاحت رائحة انتهاز الفرصة الذهبية لمن عصى ". وهكذا، تعتبر تلك الزاوية الصغيرة لكن الرائجة من تاريخ العالم العربي نموذجًا للشعور العام بحساسيته تجاه كل مايتعلق بالأدب والنظم والقانون والنظام الاجتماعي والسياسي .


عتمان بن تاشفين

7 مدونة المشاركات

التعليقات