بينما كنت أسير عبر الحدائق المنعشة، استمعت لحن أغاني الطيور المتفاعلة، شعرت بالبهجة لكن قلباي لم ينسحب نحو طيور الأرض وزهرة البلاد. وعندما تشربت من مياه النيل القديم، نهر الله المبارك منذ القدم، كان طعمه منعشا ولكن ليس مثل مياه بلادي الأزلية.
قرأت وصف المحبوبة الجميلة أثناء الرحلات، ظننت أنها ستكون وجود خالد إلا أنها تبدو وكأنها خيال تتبدد مع مرور الوقت، مجرد ذكرى غير ثابتة كالذئب بلا شكل واضح إن كانت المحبوبة حقا من رجال هذه المنطقة فقط. ذات يوم رسمت صورة للجمال في ذهني - الجمال هو ملك الشعر كما يقول المثل الشعري. وأصبحت أحاول الغناء لها ولكني تعثر لساني حتى نظر إلى بنات أرضي الذين قالوا لي "أليس الجمال موجود بكل مكان؟ فلماذا نحمد غير هذا المكان؟" فأجبتهم بأنني دوما أحب أجمل الأشياء وفي رأيي فإن أكثر ما رأيته جمالا يكمن هنا في وطني.
قال بعض الناس بعد رؤية تلك الفتاة: لقد فقدت بهاء شبابها وجاذبية الجمال الزائل مع الزمن. فرددت عليهم قائلاً: قد تكون بلادي اليوم هكذا لكنها لن تموت أبدا! إنها كالخور الذي يجف خلال فصل الشتاء ثم يعود للحياة عند مجيء الربيع مرة أخرى تماما كظهور الزهور التي تبقى تحت الرمال منتظرة وقت الإنبات. الكوكب الباهر يبقى كذلك رغم انطفائه مؤقتا خلف الظلام والدخان، فالضباب لا يحجب رونق الأرض ولا يحرم حسن بلدتي مهما تغيرت الأحوال. عزتها ليست مرتبطة بشبابها وحسب وإنما بالأفكار المرتفعة الأخلاق العالية والقوة الثائرة المدمرة والتي بدونها لما تجلت قامات جبل وطننا شامخة للأفق الواسع.