في القرن الثالث الهجري، عُرف الشاعر العربي الكبير أبي تمام الطائي بتعبيره الصادق والعاطفي للحروب والصراعات عبر شعره. ومن بين أشهر قصائده التي تحكي عن الأحداث التاريخية المعارك الشهيرة لفتح عمورية. هذه القصة العظيمة لم تسجل فقط انتصاراً عسكرياً هاماً للإسلام، بل كانت أيضاً مصدر إلهام للعديد من الأدباء والشعراء بما فيها عمل أبو تمام الرائع.
عمورية، المدينة الهامة في آسيا الصغرى آنذاك والتي تمثل قوة كبيرة تحت حكم البيزنطيين، كانت هدفاً استراتيجياً للعالم الإسلامي. عندما علم الخليفة المعتصم بالله بالانتهاكات والاضطهادات ضد المسلمين داخل حدود الدولة البيزنطية، قرر شن حملة لتخفيف معاناة الإخوان المؤمنين واستعادة الأملاك الإسلامية المسروقة. بعد سنوات طويلة من الاستعداد والتخطيط، قاد الجيش الإسلامي بقيادة أحمد بن عبد الله بن طاهر رحلة غزو عظيمة إلى عمورية.
كانت قصة هذا الحدث كنزاً للشعراء الذين رأوا فيه مسرحاً مليئاً بالإنجازات والألم والأمل. أحد هؤلاء الشعراء كان أبو تمام، صاحب الفضل في وصف الحملة بشكل مؤثر ومرئي في شعره. اشتهرت قصيدته "على فتح عمورية":
"لقد فتحت عينيكَ ما انغلقتْ
وأنت ترقب الجند جنب المُستقبلِ"
هذه الأشعار تعكس حماسة الشاعر ورؤيته الثاقبة لحظة دخول القوات الإسلامية إلى مدينة عمورية. يعبر الشاعر عن دهشة الجنود عند رؤية المناظر الجديدة وتعجبهم لما يرون أمام أعينهم خلال تلك اللحظات التاريخية المصيرية. ويواصل قائلاً:
"وإذا أنت بها قد بدت لك ظاهرةً
كالفضة الناطقة في ديباجِ"
يستخدم التشبيهات البلاغية ليقدم صورة واضحة للمدينة الواسعة والفخمة متلألئة كالفضة وسط الضوء المبهر لأشعة الشمس، مما يجسد روعة المكان وبنائه المهيب أمام أعين الغزاة المنتصرين. وفي سطور أخرى يشجع الفرسان ويذكرهم بمجد أسلافهم ومعنى الدفاع عن الدين والحفاظ عليه بكل ثبات وإقدام:
"بلّغ واحداً منكم أخاه فليعلم
أنه يوم يأتي الموت ليس يؤجّل"
إن شعر أبو تمام هنا ليس مجرد سرد للأحداث العسكرية؛ إنه رسالة قومية وروحية تتحدث عن أهمية الوحدة والإخلاص أثناء الحرب وكيف يمكن للنصر أن يكون نتيجة مباشرة لهذه الصفات الإنسانية العليا. ولذلك فإن قصائد مثل هذه تبقى حيّة حتى اليوم بسبب قدرتها الدائمة على نقل المشاعر والمبادئ التي تشكل جوهر الحياة البشرية. إنها شهادة خالدة لنشوة الانتصار الأخلاقي والمعنوي بالإضافة إلى الانجاز العسكري الواقعي.