التسامح ليس مجرد فضيلة، بل هو جوهر الإنسانية ومنبع القوة الحقيقية للأمم والشعوب. إنه دليل على نبل النفوس وصفاء الضمائر، يعكس عمق إيماننا وتميز شخصيتنا أمام مواقف الحياة المختلفة. قد يبدو التسامح تحديًا لمن ينتهك حقوقه ويؤذيه، لكن ثماره وفوائده تستحق كل تضحية. فهي تغرس السلام الداخلي وتزيل الاحتقانات، وتحول العلاقات المضطربة إلى روابط متينة مبنية على الاحترام المتبادل والمودة.
التسامح ليس مجاملة أو ضعفاً، ولكنه قوة روحية ونفسية سامية تؤثر تأثيراً إيجابيًا ليس فقط على المحسن نفسه وإنما أيضًا على مجتمعه وعلاقاته الشخصية. عندما نتسامح، فإننا نواجه مشاعر الانتقام والكراهية بموقف أعلى، موقف يغفر ويعفو بدلاً من الانتصار الشخصي المؤقت. هذا النهج يحقق لنا رضى رب العالمين الذي يأمرنا بالعفو ويبشرنا بثواب جزيل {وَٱلَّذِينَ إِذَا أَصَٰبَتْهُم مَّصِيبَةٌ قَالُوآ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ أُولَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰتٌ مِّن رَّبِّهِم وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ} [البقرة:156-157].
إن الصفح الجميل يعد وسيلة فعالة لحماية المجتمع من جذور الفتن والخلافات المستقبلية. فهو يشجع الجميع على التفكير مليًا قبل التصرف بناءً على دوافع انتقامية مؤقتة قد تطيح بسلم واستقرار المكان بأكمله. حالة التسامح هي انعكاس لصحة اجتماعية ومعنوية عالية المستوى. إنها ترشد البشر نحو فهم أعمق لأبعاد المسؤولية الاجتماعية لدينا تجاه بعضنا البعض، وتحثهم ضمنياً لبذل مزيد من الجهد لتحقيق العدالة والقضاء على عوامل الاستياء الموجودة حالياً بطرق صحية وغير مدمرة.
لكن كيفية تحقيق تلك الحالة المثالية؟ تبدأ رحلة التعلم عبر التفكر والتذكر باستمرار لقيمة العفو وأجر الاعتدال المدروس لدى صاحب الأمر سبحانه وتعالى. إن النظر بإمعان لإحدى آيات القرآن الكريم الشهيرة سوف يقنع المرء بأن حياة العفو لن تكون عبئاً ثقيلاً بقدر ماهي مصدر راحة وانطلاق لفرد قادر على تحمل مسؤولياته تجاه نفسه أولاً ثم الآخرين بعدها مباشرة بنطاق محيط رزقه اليومي المقسوم عليه منذ اللحظة الأولى لرؤيته نور الدنيا حتى مغادرته لها نهائيًا يوم القيامة. لذلك دعونا نسعى جميعاً لاستيعاب مفاهيم العفو وأن نحافظ دومًا على توازن وجدانينا بما يسمح بحماية سلامتنا الداخلية وشخصيتنا الخارجيّة أيضاً، لأن سلامة الإنسان أساس استقرار وأمن دولة بكاملها.
وفي النهاية، يبقى التمسك بهذا النهج الرشيد مدعاة لسعادة دائمة وخالدى؛ فقد أكدت النصوص الدينية والسنة النبوية أثرا واضحا لعلاقة وثيقة تجمع بين صداقات الراحة القلبية والتزام المصلحة العامة للمجتمعات الإسلامية تحديدًا والتي تعتمد بشكل مباشرعلى مبدأ عدم التشديد الزائد على الذات أثناء المواجهة مع سوء تصرفات المخالفين والمعاصرين للشريعة السامية المنزهة. وفي المقابل تنادي علماء الدين بضرورة اتباع الطريق الأقرب للإفراج عن النفس ممن هم أقل حرصا منهم للحفاظ على نفس درجة الانضباط العقلي والنفسى لديهم كي يستطيعوا بذلك التأثير ايجابيا خارج حدود حدود نفوسهم الخاصة بقصد الوصول بخلايق الله كافة نحو مصاف الذين يرون الخير دوماً ولا يكترثون مطلقًا للغدر وللدونة السياسية التاريخية التحريضية المنظوره عالميا .