تبوأت مدينة مأرب موقعاً متميزاً في تاريخ المملكة السبئية كعاصمتها الفريدة. يقع هذا الموقع الرسولي الرائع على مسافة تقدر بحوالي ١٦٠ كم شرق العاصمة الحديثة، صنعاء، ويطلّ مباشرةً نحو هضاب صحاري شبه الجزيرة العربية الرملية الشاسعة. تمتعت مأرب منذ القدم بمكانة مركزية جعلتها محور اهتمام التجارة والصناعة والعلاقات السياسية لقارتَي الشرق الأقصى والغرب. وكانت وما زالت نقطة تمركز مهمة لحركة نقل البضائع عبر الطرق البرية الرئيسية التي تعبر ربوع الوطن العربي وخليج عدن وحتى مداخل البحر الأحمر المطلة على الشواطئ الدافئة الواقعة جنوب شرقي البلاد.
تمثل أعمال هندسة المياه الضخمة وسدود الري عمود فقري للحياة الاقتصادية والثقافية لسكان المنطقة لأكثر من ثلاثة قرون مضت، حيث حولت تلك المشاريع مجرى التاريخ بتحولها الوادي المنضب إلى جزيرة خضراء مورقة كانت توصف بالحبيبة باريس للعصر الروماني القديم. أما بالنسبة للسدي الشهير "سد مأرب"، فهو يعتبر واحدٌ من أعرق الآثار الهندسية العالمية والذي يعكس مدى تقدم أسلافنا المهندسين في تدبير موارد المياه واستخدامها بكفاءة عالية للإنتاج الغذائي وتنمية المجتمعات العمرانية آنذاك.
وعلى الرغم من الخراب والتدمير الناجم عن الصراعات الداخلية العنيفة في العقود الأخيرة - والتي خلفت خسائر بالأرواح والبنية التحتية بما فيها معابد ومعالم قائمة منذ قرون عديدة- فإن روح الحياة بازغة بقوة وسط أحجار ما تبقى من سور مستوطنتها التاريخية مخلفا إرثا ثقافيا متنوعا يحكي قصائد شعر حب وعشق وغزل للشاعر الحميري الأكبر الزبيدي وغيره كثير ممن تركوا بصمات مؤثرة تتجدد ذكرى آثارها كلما مر الزمان وجدد الدهر عمران مدننا العزيزة.
في الوقت الحالي وفي ظل دعم جهود الحكومة المحلية لاستعادة مكانة المدينة كمحور رئيس لنقل الخام والاستخراج النفطي وبفضل تطوير نظام ري حديث وسلس يستخدم الطاقة الشمسية بدلا عن الاعتماد التقليدي لمولدات الوقود الأحفوري المخربة بيئياً، فقد أتاحت الفرصة أمام سكان البلدات المحيطة بها لإقامة مشاريع تنمية مجتمعية صغيرة تساهم في تحقيق اكتفاء ذاتي غذائيا وصناعيا وماليا مما يعمل علي زيادة فرص العمل وتحسين مستوى دخل الأسر العاملة فيه ودفع عجلة تنمية شاملة ومتوازنة لكل مناطق محافظة مأرب الأمينة باحتضان جمال طبيعتها وروعة تاريخها العريق .