تعد جزر تاهيتي قمة جمالٍ فريدة وغامضة وسط سهل هادئ من المياه الفيروزية بمحيطها اللامحدود. تشتهر هذه الأرخبيل المترامي الأطراف باحتوائها على أكبر جزيرة هي "بابيت" ضمن مجموعة تضم خمس مناطق متفردة ذات طابع فريد، تدعى مجتمعة ببولينسيا الفرنسية. تحتضن تاهيتي حضارة راسخة ومتنوعة، حيث تتلاقح فيها العادات والثقافة المحلية مع التراث الأوروبي والتاريخ الطويل للتبادل التجاري.
البدايات الأولى:
كانت أول خطوات البشر نحو تاهيتي قادمة عبر مياه المحيط الهادي العظيمة من آسيا القديمة بشعبتها البولينيزية الشهيرة؛ الذين أسسوا فوق تلك الربوع الحجرية جذورهما وأصولهم الثقافية المبكرة. لم يكن الأمر مجرد نزوح عشوائي بل هجرة مدروسة لتلك القبائل التي كانت تبحث عن ملاذ جديد واستقرار جديد في هذا الجزء النائي والمجهول آنذاك من العالم.
لقاء التاريخ والحضارات المختلفة:
بعد موجة الاستعمار الأوروبي المرتفعة، ظهرت شخصية كابتن بحري بريطاني يدعى سامويل والاس في القرن الثامن عشر، مما جعل تاريخ الجزيرة مرتبطًا بشكل مباشر بالمجتمع الدولي الغربي حديث النشأة حين ذاك. وبعد فترة وجيزة جاء القائد الفرنسي لويس أنطوان ديبوفيه ومعه علم الجمهورية ليضع بصمة جديدة لهذه الأرض الجديدة بإعلانه سيادة فرنسا عليها. ظل ارتباط الجزيرة بفرنسا مستمر حتى يومنا الحالي رغم محاولات انفصال وانتفاض شعبي مختلفة خلال العقود الماضية.
الجغرافيا الطبيعية المتنوعة:
تشترك جزر تاهيتي بأن تكون مثالا جيولوجيًا نادرًا للغاية؛ إذ تحتوي كلتا جزيرتيها الرئيسيتين -التايبتيان والكبيرتين- على شكل مخروط بركاني غير منتظم ولكن مميز وفاخر بتصميماته الطبيعية الرائعة. تربطهما سلسلة جبلية تسمى "تاراوا"، وهناك اختلاف واضح بين الجانبين فيما يتعلق بعددهما السكاني والعمران العمراني أيضًا فالجانب الأكبر يسكن فيه أغلبية المواطنين ويعيش بالقرب من المدن الرئيسية مثل "بابيت". أما بالنسبة للجانب الثاني فهو أقل كثافة سكانية بكثير ولكنه يحافظ على جماله الأخضر المعتدل نظرًا لقربه من البحر ولذلك فإن الحياة اليومية هناك تعتمد بشكل كبير على الصيد التقليدي والسوق الأحمر المنتشر بها وبقية الجزر المجاورة لها.
الحياة الاقتصادية والاجتماعية:
من اللافت للنظر مدى اعتماد المجتمع التاهيتي اقتصادياً على قطاعي السياحة والصناعة التحويلية للأغذية المحاصيل؛ وذلك نظرا لفوائد المناخ الدافئ والأمطار الغزيرة التي تعزز إنتاج الموسم الفلاحي سنويا بكفاءة عالية جداً. يتمثل محصولهم الرئيسي في أنواع متنوعة من النباتات الاستوائية الملونة كالخبز والحلوى وكعب الغزال بالإضافة لإنتاج محدود نسبيًا للفانيليا وزيت جوز الهند المعروف بجودته ونقاء طعمه اللذيذة عالميا مما جعله سلعة رائجة لدى التجار الدوليين.
تجسد جزر تاهيتي روح المغامرة والاستكشاف بكل معانيها فضلاً عن تقديم نموذج رائع للعيش المشترك السلمي بين الثقافات المتعددة داخل منطقة واحدة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الإنسان قادرٌ دائمًا على مواجهة تحديات البيئة المختلفة وتقبل الاختلافات المتنوعة لتحقيق حياة كريمة وسعيدة لكل أفراد مجتمعه مهما اختلفت اعتقاداتهم وآرائهم الشخصية. إنها قصة تستحق الانتباه والإشادة حقاً!