تقع بحيرة قارون، أحد أهم الرموز الطبيعية والثقافية لمصر القديمة، على بُعد حوالي سبعة وعشرين كيلومتراً شمال مدينة الفيوم. تتميز هذه البحيرة بأنها واحدة من البحيرات الداخلية غير المرتبطة مباشرةً بالنيل؛ بل تعتمد على مصارف الفيوم لتغذيتها بالمياة. رغم تاريخها الخلاب، إلا أنها تعرضت لانتكاسة بسبب التغيرات المناخية وموجات الجفاف الكثيرة، مما أدى إلى انخفاض كبير في مساحتها الحالية التي تقدر حالياً بثلاثمائة وثلاثين كيلومتراً مربعاً فقط.
تمتد البحيرة بطول يبلغ أربعين كيلومتراً، وعرضها يسجل سبعة كيلومترات تقريباً. لكن ماضيها كان مختلف تمام الاختلاف، فقد وصلت مساحتها في السابق إلى ٢٨٠٠ كيلومتراً مربعاً -أي ما يقارب عشرة أضعاف حجمها اليوم-. يرجع السبب الرئيسي لهذه الانكماشات الهائلة إلى معدلات الترسيب والتدفق المنخفضة للأنهار وروافدها الرئيسية. يبدو الأمر وكأن الزمن الثمين قد تلاشى مع مرور السنين!
وعلى الرغم من هذا الانكماش التدريجي، فإن العمق الكبير لبحيرة قارون يعد نقطة قوة خاصة بها. فهي تنخفض بمقدار أربعين متراً تحت مستوى سطح البحر، مما يجعل منها أخفض نقطة في منطقة الوادي الواسع. يصل متوسط عمق الماء إليها لحوالي سبعة وأ半 متر، بينما يحقق أعلى مستويات عمق له عند حدود أربعة عشر مترا داخل مناطق محددة.
بالإضافة إلى جمالها الطبيعي الرائع، تعد بحيرة قارون ركيزة اقتصادية مهمة لسكان المنطقة المحيطة بها؛ حيث توفر مصدر دخل حيوي للصيادين الذين يستخدمون أكثر من ستمئة قارب وصيد أكثر من خمسة آلاف فرد للحصول على أنواع مختلفة من الأسماك مثل "البوري" و"الطوبر"، وغيرها الكثير والتي انتقلت جميعها عبر نقل اصطناعي من مواقع أخرى. كذلك تشهد البحيرة حركة سياحية ملحوظة خصوصًا أثناء أشهر الصيف الحارة حيث يتوجه سكان المدينة والفلاحون لاستنشاق الهواء النقي والاسترخاء ضمن أجوائها المفتوحة ذات تكلفة زهيدة نسبيا. وهكذا تحولت البحيرة لإحدى المعالم السياحية الخلابة وسط الصحراء المصرية التي تجذب هواة المغامرات والباحثين عن السلام الداخلي سواء المقيمون أم الزائرون كالطيور النازحة مثلاً. ولم تكن رحمة الطبيعة حصرية للسكان البشريين إذ حرصت أيضًا على دعم الحياة البرية بتقديم موائل خصبة للنباتات المتنوعة والحيوانات الصغيرة بما فيها طيور البطريق والسلاحف والنحل وغيرها كثير ممن ارتبط بهم النظام البيئي الفريد لبحيرة قارون منذ القدم وحتى يومنا هذا .
وفي مواجهة للتحديات المستمرة بشأن توازن المياه بين العذبة والمالحة داخل الحدود نفسها للبحيرة ، يبقى بحث العلماء واستمرار دراستهم ضروري جدًا لفهم التأثيرات طويلة المدى لأعمال الإنسان عليها وما إذا كان هناك طريق لتحقيق التوازن مرة آخرى؟ إنه حقا مكان تستحق زيارته بكل تأكيد لعشاق الطبيعة والأجواء البدوية المشوقة !