من خلال النظر العميق في سورة النساء، نجد الآية الكريمة "وأن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم" تعكس جوانب متعددة من التشريع الإسلامي فيما يتعلق بالزواج وعدالة المعاملة.
تشير عبارة "تقسطوا" هنا إلى العدالة والتساوي، بينما تحمل كلمة "فانكحوا" دلالة واضحة على أمر شرعي يسمح بتعدد الزوجات ضمن حدود محددة. يشير "ما طاب لكم" إلى حرية الاختيار بين المرأة التي ترضي الرجل روحياً وعاطفياً، وتمكيناً منهما المقبلين على الحياة المشتركة بناءً على رضاهما المتبادل. تصنف الآية أيضاً هذا الحق بحدود واضحة حيث تسمح بثلاثة زوجات كحد أعلى ("مثنى وثلاث ورباع"). وفي حالة الخوف من عدم تحقيق العدل بينهن جميعاً، يتم توجيه الرجوع إلى زواج واحد بدلاً من المخاطرة بالتجبر والاستبداد.
ويرجع السبب وراء نزول هذه الآية حسب الروايات التاريخية إلى ضرورة الحماية القانونية للأيتام والمستضعفين عموماً، بما في ذلك الفتيات القاصرات تحت رعاية الوصيين الذين قد يساء توظيف سلطتهم وتعريض مصالح هؤلاء الأطفال للتدهور بسبب نقص الضوابط الأخلاقية والقانونية المناسبة آنذاك. وبالتالي كانت دعوة مباشرة لمنع استغلال وضع اليتيمة واستخدام قوامتها المالية الشخصية كورقة ضغط لتحقيق مكاسب شخصية غير مشروعة عبر الزواج منها بدون إنصاف.
وتؤكد الآية بشكل غير مباشر أيضًا أهمية وجود المهر كمقدمة لازمّة ومعروفة لكل عقد زواج جديد طبقًا لتعاليم الإسلام. فهو ليس مجرد هدية بل حق أصيل ومكتسب قانونيًا قبل الدخول الفعلي لحياة مشتركة والتي تتطلب تفاهم واضح بشأن الإنفاق والمعاشرة الطيبة وفقًا لما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة.
وفي المقابل، يؤكد الدين الإسلامي بشدة على ضرورة مراعاة الجانب الإنساني والعادل أثناء التعامل داخل المنزل وخارجه كذلك. فهو دين الرحمة والحنان ودعم الأسرة كوحدة اجتماعية أساسية تستند لركن أساس هو تساوي الفرص واحترام حقوق الجميع بغض النظر عن جنس الشخص أو موقعه الاجتماعي المختلف. وهذه الثوابت هي الأسس المنطقية لقوانين الأحوال الشخصية المعتمدة في معظم الدول ذات الأكثرية المسلمة اليوم. وعلى سبيل المثال ، قدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثالاً حيًا لسلوك يحتذي به عندما وصف بأنه "خير الناس لأهله"، مما يعزز تأكيده المستمر على حسن المعشر وطيب خلق الأبوة تجاه أفراد الأسرة الواحدة بلا تمييز لصالح أحد طرفيها ضد الآخر.