ترتبط مفاهيم البطالة والتضخم ارتباطاً وثيقاً، إذ يعتبر كل منهما مؤشرات حيوية لصحة الاقتصاد. فعند الحديث عن البطالة، فإنّها تشير إلى الظاهرة الاجتماعية والاقتصادية التي تصيب أفراداً يبحثون بشكل مستمر عن فرصة عمل لكن بلا جدوى، مما له تداعيات مجتمعية واقتصادية واسعة. أما التضخم، فهو ظاهرة أكثر تعقيداً تتمثل في الارتفاع المستمر لأسعار السلع والخدمات نتيجة لتآكل قيمة العملة المحلية، وهو ما قد يقوض القدرة الشرائية للأفراد.
في السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام المفكرين الاقتصاديين بالعلاقة الديناميكية بين هاتين الظاهرتين. ومن أهم المساهمين في هذا المجال الاقتصادي البريطاني الشهير أغوستوس وايتلو فيليبس (A. W. Phillips). لقد قام فيليبس بدراسة متعمقة للعلاقات المتبادلة بين معدلات البطالة ومعدلات تغير الأجور في إنجلترا منذ عام ١٨٦١ وحتى ١٩٥٧. بناءً على تحليله الواسع النطاق، اقترح وجود علاقة عكسية مباشرة بين هذين المؤشرين الاقتصاديين الرئيسيين. وفقاً لنظريته، عندما تكون سوق العمل نشطة ومزدهرة -أي انخفضت نسب البطالة- غالباً ما يحصل العمال على زيادات أعلى بالأجور نظراً لرغبة أصحاب الأعمال في الاحتفاظ بخدمات موظفيهم الماهرين والحافظين على كفاءتهم التنافسية.
ومع ذلك، عندما تواجه البلاد فترات ركود اقتصادي وأصبحت فرص العمل شحيحة، حينذاك يتسارع نزول معدلات الأجور بسبب خوف العاملين من خسارة الوظائف وعدم قدرة الشركات على تقديم رواتب مغرية لجذب العمالة الجديدة. بالإضافة لما سبق ذكره حول تأثير عامل الرغبة لدى أصحاب العمل حسب توفر اليد العاملة، هناك أيضا عدة عوامل أخرى تلعب دور مهم لتحولات معدل الأجر مثل توقعات التضخم واحتمالات تغيير السياسات الحكومية المتعلقة بسوق العمالة ونسب الضرائب وغيرها الكثير.
ومن الجدير بالذكر هنا أنه بالنظر لأسباب تباطؤ نمو الأجور أثناء الفترات التي تسجل فيها بطالة مرتفعة، يلزم التنبيه بأن تلك التقلبات ليست ثابتة دائماً وعلى نحو خطي تماماً. فبينما تقوم بعض الدراسات بالإشارة لاستقرار المنحنى عبر الزمن بينما ترسمه البعض الآخر بدوامة ملتوية ليظهر عدم ثباتيته التاريخيّة؛ إلا إنه حتى وإن احتفظ بمستويات متفاوتة من المرونة والاستقرار فقد ظل دوماً مرجعاً أساسياً لكل باحث وعالم اجتماعي واقتصادي يرغب بفهم التعقيدات الدقيقة للعلاقة المعقدة بين جوانبي "البطالة" و"التضخم".
وعليه، يبرز مخطط "فيليبس"، الذي يعرض بدقة اتجاه حركة أحد الجانبين تجاه الجانب المقابل عند تطورات مختلفة لسقف النمو الاقتصادي والأحداث السياسية الداخلية والدولية ذات التأثير الكبير- كمثال حي على ضرورة مراعاة الشبكة المعقدة للأسباب والعوامل المؤثرة داخل النظام الاقتصادي العالمي للحصول على فهم شامل ودقيق لمختلف أنواع التقلبات الاقتصادية المعاصرة والسابقة والتي ربما نجني منها دروسا مستقبلية لمنع تفاقم الآثارالسلبية الناجمة عنها حال تجنب الوقوع ضحية لها مرة أخري .