تُعتبر صناعة الفخار واحدة من الحرف التقليدية التي شكلت جزءاً أساسياً من تاريخ وثقافة الشعب الجزائري عبر العصور المختلفة. هذه الصناعة ليست مجرد مهارة يدوية فحسب، بل هي انعكاس عميق للتقاليد المحلية والعادات المجتمعية التي ورثها الأجيال المتعاقبة. تمتد جذور هذه الحرفة إلى آلاف السنين، وتعود رواياتها الأولى إلى عصور ما قبل التاريخ عندما استخدم الإنسان القديم الطين كأداة أساسية لإنتاج الأدوات والأواني المنزلية.
في الجزائر تحديداً، ظهر فن صناعة الفخار بشكل واضح خلال فترة الحضارات القديمة مثل حضارة موريسانيا وبلاد نوميديا القديمة. كانت الأباريق والفناجين والمزهريات المصنوعة يدوياً تُعد ركيزة الحياة اليومية لسكان المناطق الريفية وغيرها. ومع مرور الوقت، تطورت تقنيات صنع الفخار لتشمل استخدام الفرن التقليدي "البابور"، والذي يُستخدم حتى الآن للحفاظ على النكهة الأصلية للمنتج النهائي.
يتميز الفخار الجزائري بتعدد أشكال وأنماط التصاميم المختلفة التي تعبر عن تنوع البيئات الجغرافية والثقافية داخل البلاد. على سبيل المثال، تتميز مناطق القبائل بالأرضيات الملونة وزخارف الأشكال الهندسية بينما يميل الجنوب الشرقي نحو أنماط أكثر بساطة مع دمج عناصر من الفن البدوي الصحراوي. كما لعب الدين دوراً مؤثراً في تصميم بعض القطع الدينية كالزينة القرآنية والاستخدامات الروحية الأخرى.
بالإضافة إلى قيمة المنتج الجمالية، يعد الفخار الجزائري ذا أهمية اقتصادية كبيرة حيث يساهم في دعم الاقتصاد الوطني واستدامته من خلال خلق فرص عمل للأسر المنتجة والحرفيين المحليين الذين يعملون بجهد وحرفية عالية لانتاج قطع فريدة ومتميزة ذات طابع خاص يعكس هويتها الوطنية والتزامها بحماية هذا الإرث الثقافي الثمين.
وفي ظل التحديات الحديثة المرتبطة بالتكنولوجيا والصناعات الآلية، أصبح الحفاظ على هذه المهنة اليدوية ضرورة ملحة لحماية الهوية الثقافية للجزائر وتعزيز الوعي بأهمية الحرف اليدوية ودعم القطاع السياحي الذي يلعب دوراً رئيسياً في تسليط الضوء عليها وإظهار جماليتها للعالم الخارجي. إن نشر ثقافة تقدير وفهم إبداعات الفنانين والحرفيين سيضمن بقاء صناعة الفخار وتطورها مستقبلاً بطرق مبتكرة تحافظ على جوهرها الأصيل مع مواكبة تطلعات الجمهور المعاصر.