الدرهم السوري القديم: رمز تاريخي يعكس ثراء الثقافة والتجارة

تحتل العملات النقدية مكانة بارزة في التاريخ الاقتصادي والثقافي لأي دولة، وتعد الدراهم السورية القديمة مثالاً حيّاً على ذلك. تمتاز هذه الدراهم بتنوع تص

تحتل العملات النقدية مكانة بارزة في التاريخ الاقتصادي والثقافي لأي دولة، وتعد الدراهم السورية القديمة مثالاً حيّاً على ذلك. تمتاز هذه الدراهم بتنوع تصميماتها الجميلة التي تعكس إرثاً ثقافياً غنياً واستقراراً اقتصادياً ملحوظاً خلال العصر الذهبي للدولة الأيوبية والمماليك. سنتناول هنا نبذة مختصرة عن تاريخ وميزات الدرهم السوري القديم وكيفية تأثيرها على التجارة والحياة اليومية للمواطنين آنذاك.

في الفترة ما بين القرن الثاني عشر والخامس عشر الميلادي، شهدت المنطقة العربية نهضة اقتصادية وثقافية كبيرة أدت إلى ظهور العديد من التحف الفنية الرائعة، ومن ضمنها عملة درهم سوريا التي كانت مستخدمة بشكل واسع كوسيلة للتبادل التجاري داخل البلاد وخارجها. كان لهذه العملة دور كبير في دعم التنمية التجارية والاقتصادية آنذاك بسبب قوتها الشرائية الثابتة وسمعتها الجيدة لدى المتعاملين معها.

يتميز التصميم الخاص بدرهم سوريا القديم بروعة تفاصيله الدقيقة وأناقته البديعة. عادةً ما يظهر وجه العملة صورة الملك الحاكم برأس محدب ونظرات حازمة تعبر عن القوة والعظمة الإقطاعية للبلاد. بينما تحمل ظهر العملة عبارة "لا اله الا الله محمد رسول الله"، وهي شهادة إيمانية متكررة عبر مختلف أنواع العملات الإسلامية القديمة. بالإضافة لذلك، قد تتضمن بعض الدراهم نقوش زخرفية ومعلومات مفصلة عن اسم السنة والسكة والحكم المستخدم وقت الضرب.

كانت أهم ميزة لدراهم سوريا القديمة هي موثوقيتها وجودتها العالية مقارنة بالعملات الأخرى المنتشرة حينئذٍ. فقد تم تصنيعها باستخدام مواد خام عالية الجودة مثل الفضة الخالصة مما منحها وزن ثابت وصلابة ضد التآكل والتلف الناجم عن الاستخدام المكثف. وهذه الصفات جعلتها محل ثقة التجار المحليين والأجانب الذين كانوا يستبدلونها بسلع مختلفة بدءاً من المواد الغذائية وحتى الأقمشة والسلع الغريبة الواردة عبر طرق التجارة البحرية البرية والبحرية الشهيرة آنذاك مثل طريق الحرير والمعابر المصرية وغيرهما الكثير.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أنه رغم مرور القرون منذ عصر الدولة الأموية والدولتين الزندية والإخشيديين وما بعدها إلا إن دراهم سوريا مازالت تحتفظ بموقع ريادي بين هواة جمع الأعمال المعدنية النادرة حول العالم نظرًا لتاريخها الطويل وسجلاتها الفريدة والتي يمكن اعتبارها مصدر ثروات دفين لو أخذنا بعين الاعتبار قيمة المعرفة التاريخية لمثل تلك التحف بالنسبة لعشاق القط المعمول اليدوي الأصيل والفنانين المهتمين باستحضار مجد الماضي العتيق بإتقان حرفائهم ودقة تقنيات الترميم الحديثة. وبالتالي فإن إدراك أهميتها لهو دليل آخر على عمق تراث فنون الحياة اليومية لسابقة الطبقات الاجتماعية المختلفة وتمسك الشعب العربي بثباته أمام عوامل الزمن المتغيرة بلا انحراف نحو المستقبل بغرض تطوير الذات فقط بل بالحفاظ أيضًا على ذكرى ماضي فريد قدم لنا درساً هاماً حول كيفية تحقيق التوازن المثالي بين تقدير الانتماء للماضي وإفساح المجال الواسع للابتكار والاختراع الطبيعي المنبعث من رحم حاضر مليء بالتحديات المشتركة بين جميع البشر بغض النظر عن اختلاف البيئات والجنسيات الإنسانية كافة.


رابح الشاوي

5 مدونة المشاركات

التعليقات