لقد لعبت الاكتشافات الجغرافية دورًا محوريًا في تشكيل العالم الحديث، خاصة مع ظهور ما يعرف بظاهرة "الميركنتيلية". هذه الظاهرة الاقتصادية التي ظهرت خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر كانت مدفوعة برغبة الدول الأوروبية في زيادة ثرواتها واستعمار المناطق الجديدة. بدأت رحلات الاستكشاف والتجارة عبر البحار تحت راية الهدف الثنائي: اكتساب الأراضي والموارد القيمة وتحقيق الربح التجاري الضخم.
في البداية، كان التركيز الرئيسي لهذه الرحلات هو بحث الذهب والمعادن النفيسة الأخرى. لكن سرعان ما اتضح أنه يمكن تحقيق ربح هائل من طريق آخر - طريق التبادل التجاري. أصبح التجار يغتنمون الفرصة للاستيلاء على أسواق جديدة وزيادة كميات المنتجات المتداولة. هذا التحول نحو التركيز على تجارة البضائع غير المعدنية ساهم بشكل كبير في تطوير نظام اقتصادي جديد يدعى النظام الميركنتيلي.
الأساس الفكري للنظام الميركنتيلي يقوم على فكرة توازن المدفوعات الخارجية والإيجابية فيها لصالح الدولة. يشجع النظام تصدير المزيد من السلع والاستيراد أقل منها لتحقيق صافي الربح. كما يروج لإنشاء حماية جمركية لحماية الصناعة المحلية وتشجيعها ضد المنافسة الأجنبية.
هذه الأفكار أثرت أيضاً على توجهات الاكتشافات الجغرافية مستقبلًا. فأصبحت مسارات الرحلات البحرية تتبع خطوط الطرق التجارية الأكثر ربحًا وليس فقط البحث عن موارد طبيعية جديدة. بالإضافة إلى ذلك، أدى الاعتقاد بأن الغنى يأتي من امتلاك الذهب والفضة إلى اندفاع المستوطنين والأسر الحاكمة لإقامة مستعمرات خارج أوروبا للحصول على تلك المعادن الثمينة مباشرةً.
بهذا الشكل، فإن العلاقة بين الاكتشافات الجغرافية والنظام الميركنتيلي ليست مجرد تقاطع تاريخي، بل هي علاقة تبادلية مترابطة ساهمت في تشكيل العديد من جوانب المجتمع العالمي اليوم.