تلعب الصناعة دوراً محورياً في تحقيق التنمية الاقتصادية لأي دولة، فهي تشكل عمود الفقرة للقطاع المنتِج وتمكن الدول من تلبية احتياجات مواطنيها وتحقيق الاكتفاء الذاتي. وفي هذا السياق، تعد الدراسات الاستراتيجية حول تطوير القطاعات الصناعية أمرًا ضروريًا لفهم آليات النمو الاقتصادي ووضع السياسات التي تعزز القدرة التنافسية الوطنية. سنركز هنا على دراسة الحالة لصناعة معينة وكيف أثرت نموها على الاقتصاد بشكل عام.
تعد صناعة السيارات إحدى أهم الصناعات الاستراتيجية التي تلعب دورًا محوريًا في العديد من البلدان. تتمتع هذه الصناعة بمؤشرات اقتصادية مهمة نظرًا لارتباطها الوثيق بعدد من المجالات الفرعية الأخرى مثل تصنيع الأجزاء والمكونات، خدمة ما بعد البيع والصيانة، ونقل وتوزيع المركبات. بالإضافة إلى ذلك، فإن لها تأثير ملموس على فرص العمل وخلق الثروة المحلية والإقليمية.
في دراسة لحالة صناعة السيارات في المملكة العربية السعودية كمثال حي، نجد أنها شهدت تحولاً ملحوظاً خلال العقدين الأخيرين. بدأت الحكومة بتنفيذ خطط استراتيجية لتشجيع الاستثمار المحلي والدولي في قطاع التصنيع الآلي والتجميع تحت مظلة "صنع في السعودية"، مما أدى إلى إنشاء عدة مصانع كبيرة للشركات العالمية المتخصصة في مجال صناعة السيارات. وقد أسفر هذا التحول عن نتائج إيجابية عديدة:
- زيادة الإنتاج: ارتفع إنتاج سيارات الركاب والثقيلة بنسبة كبيرة منذ بداية المشروع، مما عزز مكانة البلاد بين منتجي السيارات العالميين وأتاح الوصول للسوق المحلية وغيرها من دول المنطقة والعالم العربي.
- خلق فرص عمل: أتاحت فرصة توظيف مجموعة واسعة من العمالة المؤهلة وغير المؤهلة سواء مباشرة داخل المصانع الأم أو عبر الشركات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بها والتي تعمل كموردين ومقدمي خدمات دعم مختلفة.
- تحسين البنية التحتية: دفعت سياسات تنمية صناعة السيارات نحو توسع شبكة الطرق العامة وإنشاء مناطق صناعية حديثة مجهزة بكافة الخدمات والبنية الرقمية اللازمة لدعم عمليات الانتاج والنقل بشكل فعال وسريع.
- تنويع الاقتصاد: ساعد نجاح صناعة السيارات في توفير مصدر دخل متنوع للاقتصاد السعودي، فبدلاً من الاعتماد فقط على النفط الخام باعتباره المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية، أصبح هناك مصدر جديد للعملة الصعبة ودعم للميزانية العامة للدولة.
- تقليل الواردات: جنباً إلى جنب مع زيادة الإنتاج المحلي وانخفاض تكلفة الصناعات الجديدة نسبياً مقارنة بالمستورد منها، انخفضت قيمة واردات قطع الغيار والحافلات والشاحنات التجارية ذات الأحجام المختلفة مما قلل الضغط على الاحتياطي النقدي الخارجي وساهم أيضًا بخفض عجز الحساب الجاري للميزان التجاري للدولة.
- تشجيع البحث العلمي والابتكار: شجع زخم صناعة السيارات المؤسسات التعليمية والبحث العلمي للاستثمار في مجالات الهندسة والكيمياء والمعلوماتية التطبيقية بما يناسب متطلبات تلك الصناعة ديناميكية ومعاصرة المستقبل بالإمكانيات الحديثة تكنولوجيًا وفكريًّا كذلكً .
وفي ختام هذه الدراسة، يمكن القول بأن تدخل الدولة بإنشاء وتعزيز القدرات الخاصة بصناعة السيارات كان له أثر واضح وملحوظ ليس فقط فيما يتعلق بنجاح العملية التصنيعية نفسها ولكن أيضوآ بإحداث تغييرات اجتماعية واقتصادية كبيرة داخل المجتمع السعودي ككل؛ الأمر الذي يعكس قدرتها الفائقة على إدارة مواردها الطبيعية والبشرية لتحقيق التنمية المنشودة المستدامة وفق رؤيتها الواضحة والسعي الدائم للتطور والتحديث.