لطالما كان مجال الإدارة محوراً مركزياً في تشكيل كيانات الأعمال والمؤسسات العامة، حيث يرتكز نجاحها على كفاءة عملياتها واستراتيجياتها القيادية. ويحكي تاريخ تطوير هذا العلم قصة مثيرة لرحلات الابتكار وتجارب التعلم المستمرة التي أثرت بالارتباط الوثيق مع التطورات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية العالمية. سنستعرض هنا مساراً زمنياً رئيسياً لتطور مفهوم الإدارة وفلسفتها منذ العصور القديمة حتى عصرنا الحالي.
في زمن ما قبل الصناعة الحديثة، كانت نظريات الإدارة المبكرة ترتكز بشكل أساسي على أساليب «إدارة الأشخاص» التقليدية المعتمدة على السلطة والقوة، كما نراها واضحة خلال الحقبة المصرية القديمة عندما اعتمد الفرعون المصري حكم البلاد بناءً على نظام هرمي قوي المركزية. وبمرور الوقت، ظهرت أفكار أكثر تقدمية تحت مظلة "الفيلسوف الاقتصاديين"، الذين رأوا ضرورة تنظيم المجتمع لتحقيق رفاهيته. ومن بين هؤلاء الأفراد، يعد آدم سميث وجان بابتيست ساي مؤسسين لنظرية السوق الحرة وأصول علم الاجتماع السياسي والإقتصادي الحديثين، مما مهد الطريق لاتجاه جديد نحو إدارة المنظمات بطريقة أكثر عقلانية وفاعلية.
وفي القرن الثامن عشر، برز عالم الرياضيات هنري فايول كمفكّر رائد قدم إسهاماته الجوهرية بتصنيف وظائف الإدارة إلى خمس عشرة وظيفة متخصصة - التنسيق والقيادة والتنظيم وغيرها-. ثم جاء بعد ذلك بدء تطبيق مفاهيم الهندسة الصناعية وإدخال تقنيات التشغيل الآلي للمصانع الوليدة آنذاك، والتي أدت مجتمعة لإرساء دعائم نظرية الإنتاج المتسلسل وتحسين العمليات الإنتاجية بكفاءتها المرتفعة. وهكذا فقد شرعت شركات مثل جنرال موتورز General Motors وشركة فولكس فاغن Volkswagen الألمانية العاملة بصناعة السيارات بإحداث ثورة حقيقية داخل قطاع التصنيع العالمي مستخدمة بذلك منهج عمل قائم على خطوط إنتاج منظمة ومجهزة بخطط تصنيع حسنة الأداء مدروسة تفصيلياً.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية ومتطلباتها الملحة لحشد موارد هائلة لدعم جهود الحرب، طرأ تغير جذري آخر في فهم دور المدير وصلاحياته؛ وذلك نتيجة للتوسعات الهائلة الناجمة عنها والتي فرضت حاجة ملحة للاستجابة للإيقاع المتزايد للنمو الاقتصادي العالمي وما رافقته من تحديات تتعلق بسوق العمل المتغير باستمرار واحتمالية تعرض المشاريع التجارية لمخاطر كبيرة بسبب تغيرات الظروف البيئية غير المحسوبة سابقًا. وفي هذا السياق تحديدًا شهد العالم ميلاد مدرستي الادارة العلميه والسلوكية المعاصرتين والمعروفتين بنظامهما للحوافز المناسبة للعامل بالإضافة لأثر الدافع النفسي الداخلي لدى كل موظف ضمن فريق واحد وهو ما يعني تقديم مكافآت تقديرا لجهد إضافي يبذل خارج حدود مهامه الرسمية مقابل زيادة فعالة في مستوى الانجاز اليومي للأعمال .
وقد امتدت هذه الطفرة النوعية لاحقا لتشمل استخدام تكنولوجيا المعلومات الرقميه واسعة الانتشار حالياً بما لها من تأثير عميق وغامر ليس فقط علي عملية الاتصال المختلفة وإنما أيضا علی طبيعة اتخاذ القرار ذاته فالآن أصبح بمقدور مدير الشركة الحصول ومعاينته مباشرة لمدة قصيره جدا ولوثائق مهمه تمثل دلالا واضحا وخاليا تماما من أي لبس حول وضع وضع المؤسسه وحجم تراكم ديوناتها وايضا نسب تحقق الربحه فيها! وكل تلك النقاط يمكن اكتشاف جميع جوانبه بدون مغادره مكتبه او انقطاع لحظة واحدة عن مزاولة واجباته المنتظمة بل ويمكن تحميل نتائج رؤياه الاستراتيجيه الجديدة دفعه واحدة لكل فرد يعمل نيابة عنه وعليه ايضًا بالتالي تنفيذ التعليمات الخاصة بها بكل جد ودقة عالية دون نقص ولا تأجيل مطلقًا.
وتعد فترة التسعينيات بداية حقبة جديدة تدعى بحقبة العلاقات الإنسانية Human Relations Era وهي الفترة التي تستند فيها النظرية الإدارية أساسًاعلى دراسة الجانب الاجتماعي والعاطفي لسلوكيات البشر داخل بيئة التوظيف والنظر اليها باعتبار أنها عاملا رئيسيا يؤثر بشدةعلي مردود انتاج افضل لمنسوبي المكان وسعي دائم جاد للتحقق منهم كامليا وكذلك توفر جو اجتماعي ايجابي يساهم بلا شك بجذب مرئيات مختلفة تتسم بالنقد البناء الطيب داخل اروقة ادارتهم مشجعين دائما تبادل الخبرات فيما بينهم وقد نشاهد مثال واقعي علي ذلك حين قام الدكتور روث ليستاينER Hawthorne تجربة لهيئة البحوث المختصة بالأبحاث النفسية المعنية بدرجة التأثير السلبي بالإضاءه الطبيعية اثناء دوامه الرسمي العادي وكانت النتيجة المثيرة إذ أتضح بأن عامل الشغل كانوا ينتجون منتوجاكبر حجماً ، ذات نوعية اعلى رغم عدم تغيير أي شيء نهائياً بشأن ظروف عملهم الأساسية الأصلابائية لذا فقد استنتجت الدراسه الواجب مراعاة الشعور بدعم زملاء العمل عند توليك لقرار خاص بهم وان تحويل المهام إلي البعض الآخر قد يكون امر مؤذي للغاية بالنسبة لهم!. وعلى الرغم مما سبق ذكر سابقه لهذه التجربه إلا انه وبعد مرور سنوات عديده عليها مازالا الكثير يحاول اجراء نسخ مشابهه منها ضمن بيئات مختلفه لرصد رد فعل نسخة طبق الاصل للسكان المحليين المحترفين بهذا المجال وكأن الأمر لعبة خاطفة وقت لكن هيهات فهي تحمل رسائل سعيده وطموحات ساميه تهدف لتحرير الذهنيه الجمعيه بغرض تعزيز قدرتنا علي خلق اماكن امنه مستقره مليئهبالحب والحنان نحترم بعضنا بعضًا ونعمل لمصلحتنا الجميع وليس شخص بذاتهفقط.
واليوم نعيش مرحلة انتقالية تسمی "العصر الرقمي" Digital Age حيث يقوم العديدوخاصة المؤسسات الرائده باستخدام الأدوات البرمجیه المتنوعه لمساعدتهم باتخذ قرارات مصيرية تعتمد اعتماد كبير علي البيانات الضخمة Big data وهذا بدوره يقوض الاعتقاد القدیم بان القدرة البشرية الفرديه قادرة لوحدهابلتصنع فارقا مهما بالسابق وقد يشكل ضغط شديد وضائقة نفسية كذلك لأن الموازين حين