تعد مدينة تدمر، الواقعة في الصحراء السورية الوسطى، واحدة من أهم المواقع التاريخية والثقافية في العالم العربي والعالم ككل. تُعرف هذه المدينة الأثرية باسم "المدينة النسّور"، وهي تحمل بين ثناياها تراثاً حضارياً غنياً يعود إلى آلاف السنين. يمتزج فيها الفنون الرومانية والفارسية والإسلامية بشكل فريد ورائع.
تأسست تدمر خلال القرن الثالث قبل الميلاد من قبل مملكة الأنباط، واستمرت في الحفاظ على استقلالها حتى عام 106 ميلادي عندما سيطر عليها الإمبراطور الروماني تراجان وأصبحت مركزاً تجارياً وثقافياً هاماً على طريق البخور الشهير. هذا الموقع الاستراتيجي جعل منها نقطة عبور مهمة للتبادل التجاري والمعرفة بين الشرق والغرب.
بعد الفتح الإسلامي لسوريا، احتفظت تدمر بمكانتها باعتبارها مركزاً ثقافياً ولغوياً رائداً، حيث نُسخ فيها النصوص الأدبية والفلسفية القديمة بلغتي اليونانية والسريانية. كما شهدت ازدهاراً فنياً ملحوظاً خلال العصر الأموي، مما أدى إلى ظهور طراز معماري مميز يعرف بتدمر. تتميز بنايات تدمر باستخدام الرخام المنحوت بدقة وتصميمات معقدة تعكس التنوع الفني للعصور المختلفة التي مرت بها المنطقة.
من أشهر معالم المدينة الأثرية هي قوس النصر الضخم المعروف بقوس تيراشماثيس، والذي تم تشييده لتكريم الملك ابيننس بعد حملته الناجحة ضد البيزنطيين. بالإضافة لذلك، تضم المدينة مجموعة واسعة ومتنوعة من المباني العامة مثل المسرح الكبير والمدرج ومعبد بل، وهو الأكبر بين جميع معابد تدمر ويُعتبر أحد أكبر المعابد الرومانية خارج روما نفسها.
لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته تدمر عبر التاريخ كموقع حيوي للاقتصاد والثقافة والحضارة الإنسانية جمعاء. وقد أدى ذلك إلى تسجيل موقع تدمر ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) منذ العام ١٩٨٠ تقديراً لقيمتها العالمية الاستثنائية. إن زيارة تدمر ليست فقط رحلة عبر الزمن ولكن أيضاً فرصة لفهم عميق للتواصل المتواصل للحضارات البشرية المختلفة.