مع استمرار ارتفاع درجات حرارة الأرض بوتيرة غير مسبوقة بسبب النشاط البشري، أصبح مصطلح "العصر الجليدي القادم" موضوع نقاش علمي واسع. وعلى الرغم من أنه قد يبدو تناقضا واضحا مع الارتفاع الكبير الحالي في درجة الحرارة العالمية، إلا أن هذا المصطلح يحمل دلالات عميقة فيما يتعلق بتغير المناخ المستقبلي. وفي حين يرتبط الفهم الشائع لجليد العصور القديمة بفترة تجمد طويلة الأمد، فإن الحديث عن عصر جليدي قادم ينظر إلى فترة باردة مقارنة بالأوضاع الحالية.
تشير الدراسات العلمية الحديثة إلى أن التغيرات المناخية التي نراها اليوم يمكن أن تؤدي إلى عواصف شمسية هائلة خلال القرون المقبلة. هذه العواصف الشمسية لها تأثير مباشر على مجال مغناطيسي للأرض والذي يعمل كدرع ضد معظم الإشعاعات الضارة. عندما تنخفض قوة المجال المغناطيسي للأرض بشكل كبير، كما حدث قبل مليوني سنة، تصبح الأرض أكثر تعرضاً للإشعاعات الشمسية المؤينة. ونتيجة لذلك، يمكن لهذه الإشعاعات القادمة من الشمس أن تدمر الغلاف الجوي العلوي للأرض مما يؤدي إلى انخفاض طبقة الأوزون وحجب ضوء الشمس والإشعاع الحراري عن سطح الأرض.
هذه العملية المعروفة باسم "التبريد الشمسي"، تساهم بشكل رئيسي في خفض متوسط درجة حرارة الكوكب. ومع ذلك، فإن الآثار الجانبية للعصر الجليدي المقترح ستكون مدمرة للغاية بالنسبة للحياة البرية والحالة الاقتصادية والتقدم الاجتماعي. فقدان طبقات الأوزون الدفاعية سيجعل الحياة خارج مظلة المباني أمرًا خطيرًا بسبب التعرض المفرط لأشعة الشمس فوق البنفسجية، وبالتالي تقليل الزراعة ومصادر الغذاء الأخرى المعتمدة على ضوء الشمس مباشرةً. بالإضافة إلى ذلك، قد يشهد العالم سلسلة من الأعاصير المدمرة والجفاف الطويل والصقيع المتكرر – جميعها عوامل تحد من النمو السكاني وتحول قدرًا كبيرًا من المناطق الحضرية والعمرانية إلى مناطق صحراوية مكتظة بالسكان.
إحدى الحقائق المهمة هنا هي أن التاريخ لديه أمثلة عديدة لعصور جليدية أصغر حجما نسبيًا ولكن مؤثرة جداً مثل "العصر الصقلي". بدأ هذا العصر حوالي القرن 12 وانتهى بحلول العام 1450 ميلادي؛ وهو ما يُشير إليه البعض بأنه بداية بداية الثورة الصناعية الأوروبية نتيجة لتلك الفترة القصيرة نسبياً من الظروف الجوية الأكثر اعتدالا. إن فهم التأثيرات المحتملة للعصر الجليدي القادم ليس فقط مطلوب للتنبؤ باتجاه مستقبل كوكبنا بل أيضا للاستعداد له بشكل فعال باستخدام السياسات العامة والاستراتيجيات الدولية الذكية والتي تستند إلى أسس علمية راسخة.
وفي نهاية المطاف، يعد توقيت بدء العصر الجليدي القادم أحد أهم الأمور محل البحث والديناميكية بطبيعتها حيث أنها تعتمد على مجموعة متنوعة من المتغيرات الطبيعية والبشرية بما فيها الانبعاثات الغازية الدفيئة والأحداث الفلكية وغيرها الكثير. ولذلك، فإن الاستثمار المكثف في البحوث المتعلقة بمراقبة نشاط الشمس واتجاهات المناخ العالمي ضروري لفهم أفضل لإمكانيات وتوقعات المستقبل المرتبط بالعصر الجليدي التالي -إذا كان هناك واحد بالفعل-.