يعدُّ كلٌّ مِن نهري دجلة والفرات ركيزةً أساسيةً ومعلمًا بارزًا في التراث الطبيعي والثقافي للعراق؛ إذ يلتقي هذان الجسدَان المائيَّان العظيمان لتشكلَا معًا واحداً من أهمِّ الأنهار الداخليّة الطويلة في الشرق الأوسط. يُعتبر كلا النهرين مستودعات مياه حيويّة للحياة النباتيَّة والحيوانيَّة منذ القدم، وقد لعبتا دورًا حيويًّا أيضًا في تشكيل التاريخ والحضارات التي شهدتها المنطقة عبر الزمن.
تنبع المياه الواردة إلى نهر دجلة من سلسلة جبال طوروس التركية تحديدًا؛ حيث تنقسم منابعها الرئيسية لثلاثة فروع رئيسية هي "دب يوسف" و"دمير شيبن" و"جلدورا". تسافر هذه الفروع نحو الجنوب الغربي لتحاذي الحدود بين تركيا وإيران قبل دخولها للأراضي العراقية بالقرب من مدينة خانقين الواقعة شرقي البلاد. وفيما بعد يجتمع الفرع الرئيسي لنهر دجلة عند منطقة باتمان جنوب شرق تركيا لينطلق مجراه الكبير متجهًا غربيًا حتى الوصول إلى العاصمة بغداد ثم مسقط رأس حضارتنا الأولى سومر في الناصرية ليصب أخيرًا في الخليج العربي قرب القائم غرب الأنبار. ويبلغ طول نهر دجلة حوالي ١660 كيلومتراً طويلًا، مما يجعله ثاني أطول أنهار العالم العربي بعد نهر النيل المصري الشهير.
أمَّا فيما يتعلق بنهر الفرات فهو الآخر له مصدر تركي أيضا وهو جبل قطري الذي يحمل اسمه نفسه وتقع مُرجِعه شمال شرق سوريا قريب من بلدة سوماكيون، ومن هناك تبدأ رحلته المتعرجة تحت عناوين مختلفة مثل راونديز وزاب العليا وباسوخ وكاموراداك والتي جميعها تتجمع لاحقا ضمن فرعي كبير ومدخل واحد يدخل منه مواطن الشعوب الآشورية الأكادية والميديين القدماء ممن استوطنت أرض ما بين النهرين. ويتواصل جريانه ملتقى الشمال بسفح حوله بادئة بفرازه الرئيسة والقادمة من منبع جبل جاتلي وجبل أرارات داخل حدود دولة إيران ذات الثراء الثقافي المتنوع، وأسفله تلحق بعض روافده الأخرى منها نهر ديالى ومنطقة زاب السفلى وغيرهما مما يعطي هذا النهر العملاق منظره الأخاذ والذي يشمل معظم مناطق وسط وغرب البصرة بالإضافة لأنحاء واسعة أخرى بحوض الوادي المنشود كما وصف لها بطليموس سابقاً ولذلك فإن مجموع المسافة للمجرى العام للنهر تقدر تقريباً بحوالي ٢800 كم مربع أي أنها أكثر مساحة مقارنة بمعادل دجله بمقدار أقل قليلاً من نصف ألف كيلومتر فقط إلا إنها تبقى كبيرة نسبياً بالمقاييس العامة لأطوال الأورد البحرية العالمية المعروفة حاليًا.
إن دراسة أصل هاتين الروافد الرقيقة هما نابعتان أساساً من الدول الجبلية المحيطة بالأرض الرافدينية مهد الانسان وحاضنة الذهب الإنسانية بما تحتويه من مواقع أثريتي فريدة تصنف كنسب أولى لمواقع تراث البشرية العالمي وتتضمن مدائن صالح ومواقع إيسور وحديثة إضافة لطيبة وبوذرو وما بينهما العديد الكثير غير معروف للغالبية العظمى بسبب نقص اهتمام وسائل الإعلام بتسليط الضوء عليها بشكل مناسب. إن فهم جذورهما والتغيرات المناخية المؤثرة عليهما أمر مهم لفهم طبيعة البيئات البيئية والبشرية لهذه المناطق الاستراتيجية المهمة واستمرارية الحياة فيها وآثار ذلك على المستقبل للأنظمة الاجتماعية الاقتصاديات المحلية والعالمية أيضاً. لقد كانت تلك السنوات مليئة بالعبرة لمن هم أمامهم طريق شباب قادرعلى تحقيق الإنجازات الرائدة والمساهمة بإعادة اكتشاف خفايا الماضي المجيدة وعصر النهضة الحديثة لقوة العلم والمعرفة الجديدة المُفعمة بالإلهام الهائل لبني الإنسان عموما ولكن خاصة لسكان أرض الرافدين الأصلين الذين يستحقون الاعتراف بالتاريخ المشرف للشعب العراقي الكريم ومآثر السلف الصالح لهم ولكل أحفاده الحالي والمتوقع ظهور نسلهم يوماً ما ضمن إطار الأقمار السبعة المُعتمدة عالمياً لإحداث تغييرات جذرية مفيدة لكل مجتمعاتها المختلفة دون تمييز بجنس او دين او موقف سياسي..