مضيق البسفور: تاريخ وثقل استراتيجي

مضيق البسفور، الواقع بين بحر مرمرة والبحر الأسود، يعد أحد المعابر البحرية الأكثر أهمية في تاريخ البشرية. يعود أصله إلى واد قديم تحوّل مع الزمن إلى مسط

مضيق البسفور، الواقع بين بحر مرمرة والبحر الأسود، يعد أحد المعابر البحرية الأكثر أهمية في تاريخ البشرية. يعود أصله إلى واد قديم تحوّل مع الزمن إلى مسطح مائي نتيجة لتآكل الأرض والتغيرات الطبيعية. وقد لعب هذا الموقع الجغرافي دورًا محوريًا عبر العصور المختلفة، مما جعله محورًا لمعارك وصراعات عديدة.

تعود أولى الذكريات التاريخية المرتبطة بالمضيق إلى فترة الحرب الشهيرة لطروادة، والتي امتدت ما بين القرن الثاني عشر قبل الميلاد تقريبًا. منذ ذلك الحين، شهد المضيق سلسلة طويلة من الأحداث المؤثرة التي شكلت مصائر العديد من الحضارات والثقافات.

في عصر الإمبراطورية البيزنطية، تم بناء أسوار دفاعية قوية حول المضيق لحماية العاصمة القسطنطينية (اسطنبول لاحقًا). واستمر توسيع هذه الدفاعات تحت حكم الدولة العثمانية، بما يشمل سور أناضولو حصار في الجانب الآسيوي وسور روملي حصار في الجانب الأوروبي. وكانت المرور عبر المضيق مقيد بشدة ولم يكن مسموحًا للسفن الأجنبية المرور بدون تصريح رسمي، وهو الوضع الذي ظل قائما حتى توقيع معاهدة كوتشوك كينارجاه في نهاية القرن الثامن عشر.

التحول الكبير حدث خلال الحرب الروسية التركية ومعاهدة باريس في مطلع القرن التاسع عشر، عندما أصبح عبور السفن غير العسكرية للمضيق أكثر تساهلًا. ولكن تبقى سيطرة تركيا مؤكدة وفقًا لقواعد وضوابط تحددها بنفسها بشأن أنواع وأنواع الحمولات والأعداد والوقت والأعلام الوطنية للسفينة.

الوضع الحالي لمضيق البسفور يتميز باعتباره شريان حياة رئيسيًا للتجارة العالمية والنقل البحري. فهو الرابط الحيوي بين دول البحر الأسود ودول البحر الأبيض المتوسط والعالم الخارجي، خاصة بالنسبة لروسيا التي تعتمد بشكل كبير على ممرات المياه الدافئة طوال السنة عبر البحر الأسود وبوابه الرئيسي: مضيق البسفور.

على الرغم من انضمام تركيا إلى حلف شمالي الأطلسي "ناتو"، ظلت قادرة على تطبيق سياساتها فيما يتعلق بمنع مرور بعض السفن العسكرية إذا اعتبرت أنها تشكل تهديدا للأمن القومي التركي. وفي النهاية، يبقى مضيق البسفور شاهدا حيّا على تعقد العلاقات الدولية وتنوع الثقافات الإنسانية عبر القرون الطويلة.


فرحات الحلبي

14 مدونة المشاركات

التعليقات