أين يصب نهر الفرات: الجسر المتعرج عبر التاريخ والتحديات المعاصرة

نهر الفرات؛ ذلك العملاق الشاسع الذي ولد في قلب جبال طوروس التركية، يسافر لأكثر من ٢٩٤٠ كيلومترًا عبر ثلاثة دول - تركيا وسوريا والعراق - قبل أن يستقر أ

نهر الفرات؛ ذلك العملاق الشاسع الذي ولد في قلب جبال طوروس التركية، يسافر لأكثر من ٢٩٤٠ كيلومترًا عبر ثلاثة دول - تركيا وسوريا والعراق - قبل أن يستقر أخيرًا عند ساحل الخليج العربي. بداية الرحلة تأتي من التقاء نهري مراد صو وقره سو داخل الأراضي التركية، ليبدو بعدئذٍ كشريط أخضر عميق يخترق سهول وجبال الشرق الأوسط بحركاته البطيئة والسلسة.

على امتداد المسيرة الطويلة للنهر، تتعدد روافده وتتنوع مناظره بشكل ملحوظ. فبينما يتقدم نحو الجنوب الشرقي عبر سوريا، يعززه نهرا الخابور وملليخ بإمدادات المياه الخاصة بهما، مما يساعد على إبراز أهميته الاستراتيجية عبر التاريخ والبشرية القديمة. وقد أدى احتلاله لمنطقة واسعة ذات تربة رملية خصبة ومناخ معتدل إلى جعلها موقعًا مثاليًا للنشاط الزراعي والثقافي المبكر للسكان المحليين. بالإضافة لذلك، فقد كان مصدر رزق دائم لسكان المنطقة نظرًا لغناه بالنظم الإيكولوجية الغنية بالسلالات البحرية المختلفة.

لم تكن القيمة الغذائية والنقدية لنهر الفرات خفية على سكان المناطق المحيطة، ولذلك سعوا لاستثمار موارده بكفاءة عالية باستخدام تقنيات مختلفة لتحسين إنتاجيتها. بدءًا بتشييد السدود لتحقيق هدفين متزامنين؛ أحدهما توسيع رقعة الأرض الصالحة للزراعة والأخرى توليد الطاقة الكهرومائية الضرورية لكافة المشاريع المستقبلية. وفي الواقع، قد برز دور حوض الفرات الريادي في كونّه أول مكان عرف فيه الناس استخدام المياه بطريقة مدروسة ومنظمة للتعمير والاستقرار الزراعي البشري القديم.

لا يمكن تجاهل الدور المؤثر لإدارة موارد المياه اليوم بالنسبة للدول الثلاثة التي تستخدم منابع النهر وهي تركيا وسوريا والعراق. وعلى مر العقود الأخيرة، ظهر العديد من النزاعات حول حقوق الملكية وحصة كل بلد من حصائل المياه السنوية. وبينما تعمل بعض الحكومات على تحقيق مكاسب شخصية نسبية عبر عمليات تحويل المياه، تواجه هذه السياسات تحديات جيوسياسية محتملة تهدد استدامة الحياة والموارد البيئية الحيوية للنظام البيئي للشريط المائي الكبير ذاته.

ومن المفارقات أيضًا ما خلقه تدفق مياه الفرات الهادر باستمرار من ظاهرة فريدة تسمى "الحوائج" والتي تنجم عنها تجمعات جزيرية صغيرة عائمة ضمن المجرى الرئيسي للجريان المائي نفسه. وغالبًا ما تغمر تلك الجزر الصغيرة قدر كبير نسبيًا من الماء نتيجة لقوة اندفاع الماء تحت تأثير جاذبية الأرض وانعدام وجود مواد مقاومة للمياه أثناء عملية التجريف الذاتي الدائم لجسم النهر الأكبر حجماً. وهذه الحالة تؤدي إلى خلق مخزون متنوع وفريد من نوعه لحياة البر والبحر بما في ذلك أنواع نادرة للغاية من الحياة النباتية والحيوانية والحشرات والقوارض وغيرها كثير. وهو مسكن لانصهار ثراء عجيب ومتكامل لعناصر النظام البيئي بنطاق محدود ومعزول جغرافياً حيث يصعب الوصول إليه مباشرة بسبب نموه الكثيف وشجيراته البرية الوثيقة. وهذا الأمر منح فرصة ذهبية للحفاظ عليها كمحميات طبيعية للأرض والسماء لما تقدمه لنا بصورة مذهلة ليس فقط من جمالٍ ولكنه أيضا رمزا للترابط المتبادل بين مختلف عناصر العالم الطبيعي وعلاقة الاحتواء المنظومة للعلاقات بين عناصر المحيط الواسع والكوكب نفسه!

وفي النهاية فإن خط سير نهر الفرات يعد لوحة رائعة ترسم تاريخ الإنسانية وتعكس جهودها الآخذة في التنامي لتحقيق الامتيازات المالية والمعيشية مع الأخذ بالحسبان أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للاقتصاد العالمي وأمنه الغذائي أيضاً! إنه الطريق الأمثل لإرشادنا نحو فهم أعمق للقضايا المطروحة حول إدارة موارد المياه العالمية ومعالجة التحديات المرتبطة بها سواء فيما يتعلق بموقعها الجغرافي المتشعب أو بالأشكال الجديدة للأزمات الناجمة عنها.


جواد التونسي

12 مدونة المشاركات

التعليقات