الشطرنج، تلك المجرة الصغيرة على الرخام، تقف شاهدة على عبقرية الإنسان في الاختراع والتطور الثقافي. رغم غموض جذورها المبكرة، فإن الأدلة التاريخية تشير إلى وجود لعبة مشابهة للشطرنج الحديثة منذ قرون في مناطق مختلفة مثل شمال غرب الهند والصين وروسيا وأجزاء أخرى من آسيا.
أحد أبرز أسلاف الشطرنج هو "تشاتورانغا"، والتي ظهرت لأول مرة في النصوص الهندوسية القديمة كإحدى ألعاب الطاولة الشعبية. اسمها مشتق من اللغة السنسكريتية ويعني "معركة العربات". تتضمن قوانين لعب تشاتورانغا عناصر تمثل الجيش الروماني القديم، بما في ذلك الجنرالات والفيلة والعربات؛ لكنها اختلف بشكل جوهري عن نظيره الحالي بعددا جنود القدم والأهداف الإستراتيجية. ربما تكون قد تطورت لاحقاً إلى "شاترنج" - الاسم العربي لهذه الرياضة الذهنية المعقدة-.
انتقلت الشطرنج شرقاً وغرباً، محولة العالم بجمالياتها الريادية وتكاليفها الدقيقة. انتشر هذا الفن الأخاذ عبر تجارة التوابل وطرق التجارة البرية حتى وصل إلى قلب أوروبا خلال القرون الوسطى، ليصبح قوة ثقافية رائجة لدى الطبقات العليا والنخب السياسية.
في حين يظل الوقت الدقيق لظهور الشطرنج موضوع نقاش بين المؤرخين والمختصين بطبيعتهم، إلا أنه يمكن القول إنها تنتمي لعائلة واسعة تضم العديد من الألعاب المحورية التي سبقت عصر النهضة الأوروبية بكثير. يشير البعض إلى أنها قد تعود إلى عهد الملوك الفرس حوالي العام 750 قبل الميلاد بينما يشير آخرون لإيران باعتبارها مهد أول "شاهاترا" معروف لدينا – أي حاكم المملكة -. مهما يكن الأمر، فقد اكتسبت هذه الصناعة المترامية انتشار عالميًا تحت مظلتها الواسعة الآن بعد أن استحوذ عليها الجانبان الشرقي والبطولي لنفسها.
وتعود أساطير ولادة اللعبة أيضًا للإمبراطور الهندي شورا بهارتا الرابع عشر عقب نهاية معركه ضد الأمير سوميرا بحيث أمر صانعه بتشكيل نموذج مسرحي لكل شخصية ومكان أثناء المواجهة فيما تعتبر رواية أسطورية شهيرة تحمل عنوان ماهاباهاراتا. وقد قام سانشويترابتا بفهم رسالة المغول بسرعة كبيرة فأبدعه عمل فريد طرح عليه تحدي التعرف علي جميع الشخصيات المشاركة داخل حلقة ضيقة مما أدعي تركيز الانتباه والإعداد العقلي بشئ كبير للغاية! وهكذا برزتنا إحدى أجمل أشكال تناغم الفكر والحكمة الإنسانية الراسخة بذاتها بدون جدال سابق ولا نزاع مستقبلي حول المصدر الرئيسي للحاضر المتجدد يوم بيوم طال عمره أم قصرت مداته .
وعلى مر الزمان, ظلت الشطرنج رمزاً للهيمنة والدبلوماسية وخلق السلام العالمي. اليوم، تُعتبر واحداً أكثررياضات التركيز شيوعًا ليس بسبب ذكائنا فحسب وإنما لما تقدمه لنا من درس دقيق حول فن التفاوض واتخاذ القرار الفردي الجماعي كذلك إذ يستطيع أي فرد أن يتعلم أساسيات اللعب بممارسته لبضع ساعات منتظمة لتحويل مفاهيمه الخاصة للأحداث السياسية والمعارك البشرية لجولات عملية مباشرة أمام عينيه مباشرة للتدرب وتحسين المهارات والاستيعاب المنطقي المنفتح للعقول الفتية والشيوخ أيضا بدون انتظار لحلول مؤجلّة أبداً !