لا يمكن الحديث عن تاريخ المسرح العربي دون ذكر هؤلاء الأعمدة الذين رفعوا رايته عاليا، وأبدعوا في تقديم أعمالٍ أثرت المشهد المسرحي بفنهما ودرامتيهما العميقة. اجتمعت مواهب عديدة لتشكيل معالم المسرح المعاصر، وكان لكل منهم إسهاماته الفريدة التي جعلته علامة مميزة في هذا المجال الغني والتاريخي. هيا بنا نتعرف أكثر على بعض أبرز هذه الشخصيات اللامعة.
ولد "أبو خليل القباني" في مدينة دمشق عام 1852، ويعتبر أحد مؤسسي المسرح الغنائي العربي. قدم العديد من الأعمال المميزة على خشبة مسرحه الخاص في دمشق، بما فيها "أنيس الجليس"، و"هارون الرشيد". تأثر القباني بشدة بالمسرح الأوروبي ومسرح الخيال الظل، مما جعله رائداً حقيقياً في تطوير هذا النوع الأدبي.
أما "توفيق الحكيم"، فقد ولد في الإسكندرية سنة 1898. كان له تأثير عميق ليس فقط كروائي وكاتب مسرحي، ولكن أيضا باعتباره مفكراً أصيلاً. حققت مسرحياته شهرة واسعة، خاصة تلك التي تعبر عن هموم المجتمع المصري والعربي بشكل خاص. حصل الحكيم على أعلى تكريم مصري بمنحه قلادة الجمهورية، بالإضافة إلى جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1961 قبل وفاته عام 1987.
كان "جورج أبيض" ممثلًا وملحنًا لبنانياً بارزاً عاش بين عامي 1880 و1959. يشتهر بأنه أول نقيب للفنانين في مصر، وعمل مترجم لأعمال مسرحية فرنسية عدة أثناء دراسته للأدب والدراما هناك. شارك أيضًا في أفلام سينمائية كثيرة، ولعب دور البطولة في أول فيلم غنائي عربي في التاريخ بعنوان "أنشودة الفؤاد".
بالعودة إلى عالم الشعر والثقافة، فإن اسم "أحمد شوقي" حاضر دائماً عند الحديث عن المسرح والشعر العربي منذ القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين. كتب شعره مستوحاه من واقع الحياة والموضوعات السياسية والاجتماعية، متخطيًا بذلك حدود مجرد الوصف التقليدي للشعر العربي القديم. تشمل أهم أعماله المسرحية شعرية "عنترة" و"مجنون ليلى"، فضلاً عن قصائده البديعة بمختلف أنواعها.
وبالنظر إلى سوريا الحديثة، ينفرد "سعدالله ونوس" بتصويره الاجتماعي السياسي اللاذع عبر مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأعمال المسرحية والنثرية والفلسفية أيضًا. تُوج مشواره المهني عندما أصبح المؤسس لمدرسة الدراما السورية وحصل على درجة عالية من الاحترام الأكاديمي بفضل تدريسه داخل حرم الجامعات المحلية وتعزيز مهارات المتدربين القطريين من خلال مجلتَه الفصلية الخاصة بحياة المسرح -التي صدر منها عشرات النسخ المنوعة والمفعمة بالإلهام-. رحيله المبكر عن الدنيا لم يكن إلا خسارة لعالم الفن والإبداع جمعاءً؛ إذ فارق الحياة عن عمر الخامسة والخمسين فقط بعد سنوات طويلة مليئة بإنجازات أدبية وإنسانية تستحق التأمل والتذكر دومًا.