يُعدُّ مفهوم "الذوق الفني" أحد أهم العناصر التي تُميِّز الحضارة العربيَّة عبر تاريخها الطويل. فهو ليس مجرد ذوق شخصي نابع من التفضيل الشخصي للأعمال الفنِّيَّة؛ بل هو انعكاس ثقافي وشخصي متجذر في القيم والسلوكيات المجتمعية الإسلامية والعربية.
في الثقافة العربيَّة، يُعتبر الذوق الفني جزءاً لا يتجزأ من الهويَّة الجمعيَّة. وهو يعكس قدرة الإنسان العربي على التفكير النقدي والإبداعي، والتفاعل الجمالي مع البيئة المحيطة به. هذا الذوق ينمو ويتطور عبر الزمن نتيجة للتبادل المعرفي والثقافي بين الشعوب المختلفة، مما يجعله موروثا ثقافياً غنياً ومتنوعاً.
تتجلَّى مظاهر الذوق الفني لدى العرب في مختلف أشكال الإنتاج الأدبي والفني. فالشعر والنثر والأدب عامة، الموسيقى والموسيقى الكلاسيكية بشكل خاص، بالإضافة إلى فنون البناء والتشكيل والحفر وتصميم المجوهرات وغيرها الكثير - كل هذه الأشكال الفنية تعبر عن مستوى عالٍ من الوعي والتقبل للجمال.
ومن الأمثلة الواضحة لذلك روائع المهندسين المعماريين المسلمين الذين تركوا بصمة واضحة في التاريخ العالمي بفضل براعتهم في تصميم المساجد والقصور والمدارس العلمية والمعاهد التربوية التي ما زالت قائمة حتى اليوم كشواهد على عبقرية التصاميم الهندسية والشكل الجمالي فيها.
أما في مجال الشعر العربي، فقد برع شعراء مثل أبي نواس وديوان المتنبئ وجرير وأبو تمام وأبو فراس الحمداني بإظهار مدى التأثير العاطفي العميق الذي يمكن أن تحدثه القصيدة الشعرية المؤثرة. كما يعد كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني مرجعا أساسيا لفهم جمال اللغة العربية وفنون الغناء التقليدية القديمة التي كانت سائدة خلال العصر العباسي وبداية العصر السلجوقي.
وفي عالم الموسيقى وموسيقى الآلات الوترية تحديدا، فإننا نشاهد كيف تأثر العديد من الفنانين الغربيين بمدرسة موسيقى الأندلس بعد الفتح الإسلامي لإسبانيا (827 ميلاد). ومن هنا بدأت انتشار مدرسة موسيقية جديدة تحمل طابع الشرق الأوسط وهي "موسيقى موزار".
إن فهم طبيعة الذوق الفني ضمن السياقات الاجتماعية والدينية والحضارية للعرب يساعدنا على تقدير العمق التاريخي لهذه الظاهرة ودلالاتها الإنسانية، وكيف أثرت واندمجت داخل المشهد الفني العالمي لتكون مصدر إلهام مستمر للمخترعين وصانعي الثقافة حول العالم.