في يوم مشمس من أيام القرون الوسطى، اجتمع ثلاثة حكماء معاً ليختبروا معرفتهم وذكائهم بحكاية شيقة. كانوا يعتقدون بأنهم الأقدر بين البشر على فهم الحياة ومعانيها العميقة. ولكن الله سبحانه وتعالى اختار شخص غير متوقع لإظهار حقيقتهم - جحا!
كان الحكماء الثلاثة قد وضعوا خطة لخلق سؤال يصعب الإجابة عنه حتى على أكثر الأشخاص ذكاءً. قرروا إخفاء وعاء صغير مليء بالذهب تحت كومة كبيرة من حجارة الخردل. ثم استدعوا جحا وسألوه إذا كان يستطيع تحديد موقع الكنز المخفي.
بدأ جحا بنظرته الفاحصة وابتسامته المعتادة وقال للحكماء: "أيها الأحباء، إنني لا أملك القدرة على رؤية ما تحتويه هذه الكومة إلا لو رفعت كلّ حصاة منها واحدة تلو الأخرى". عندئذٍ انزعج الحكماء الثلاثة لأن جواب جحا لم يكن كما توقّعوه؛ فقد اعتقدوا أنه سيستنتج وجود الذهب بناءً على مفترضاته الخاصة فقط.
ومع ذلك، فإن رد فعل جحا كشف حقائق مهمّة حول طبيعة الإنسان وفطنته. فهو لم يحاول الاحتيال أو التخمين الغير مدروس، بل طلب منه إجراء عملية بحث منظمة ومتأنية لتقديم نتيجة دقيقة وموثوق بها. وهنا تكمن القوة الحقيقية للتدبر والتفكير البنَّاء بدلاً من الاعتماد على الظنون والأوهام.
إن قصة جحا توضح لنا أهمية التفكير المنطقي وعدم الثقة الزائدة بالنفس مهما بلغت درجة العلم والمعرفة. فالحكمة ليست مرتبطة بمكانتنا الاجتماعية أو مستوى تعليمنا، وإنما هي قدرتنا على التعامل الواقعي والمتزن مع المواقف المختلفة باستخدام العقل والعاطفة بشكل متوازن. وبذلك نتمكن من اكتشاف الحقائق الخفية وتقديم الحلول العملية لأكثر المسائل تحدياً.