شهد الأدب السعودي تطوراً ملحوظاً في مجال القصة القصيرة منذ بدايات القرن العشرين وحتى يومنا هذا. بدأت هذه الجهود مع ظهور بعض الكتاب الذين سعوا إلى ابتكار شكل أدبي جديد يعكس هويتهم الثقافية والفكرية. ومنذ تلك اللحظة الأولى، مرت القصة القصيرة بعدة مراحل رئيسية ساهمت بشكل كبير في تشكيل هويتها الخاصة بها داخل المشهد الأدبي السعودي.
في مرحلة ما قبل الاستقلال عام 1932، كانت التجارب الأدبية محدودة بسبب الظروف الاجتماعية والثقافية آنذاك. إلا أنه ظهر بعض الكتاب الرواد مثل عبد الله بن خميس وعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، حيث كتبوا قصصا قصيرة تناولت الحياة اليومية والقيم الإسلامية والعادات المحلية. كان لهذه الأعمال تأثير مباشر في تهيئة الأرضية المناسبة لنشوء حركة أدبية جديدة ستظهر لاحقاً.
بعد الاستقلال مباشرةً، شهدت المملكة نهضة ثقافية واجتماعية هائلة شجعت العديد من المواهب الشابة على الانخراط في المجال الأدبي. برز اسم إبراهيم نافع كأحد رواد الحركة القصصية الجديدة التي ركزت على الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع السعودي. استخدم أسلوبه البسيط والكلمات المؤثرة لنسج قصصه حول موضوعات اجتماعية واقعية، مما جعله أحد أكثر الشخصيات تأثيراً خلال هذه الفترة.
مع مرور الوقت واتساع دائرة النشر والإعلام، دخلت القصة القصيرة السعودية فترة ازدهار حقيقية في الستينيات والسبعينيات. أسس كتاب شبابيون مدارس قصصية خاصة بهم مستوحاة من تجارب شخصية متنوعة وظروف تاريخية مختلفة. منهم محمد حسن علوان ومحمد بن سليمان الأشقر وحسن سلمان وغيرهم ممن قدموا قضايا المرأة والشباب وتجارب المغتربين بطريقة إبداعية مبتكرة.
خلال الثمانينيات والتسعينيات، واصلت القصة القصيرة السعوديّة تقدمها نحو آفاق جديدة من التجديد والمراجعة الذاتية. دمج كتاب جدد بين التقليد والأصالة وبين التحولات الحديثة التي طالت المجتمع السعودي بسرعة كبيرة. أصبح الطابع التجريبي واضحاً عبر استخدام تقنيات سرد متعددة وأساليب أدبية غنية ومتنوعة. من أمثلة هؤلاء الكتاب الدكتور سعود الصانع وسعيد العبدالله وغادة السمان وغيرهم ممن تركوا بصمة واضحة في التاريخ الأدبي السعودي الحديث.
وفي العقود الأخيرة، حققت القصة القصيرة نقلة نوعية أخرى أكثر عمقا وصلابة من حيث المضمون الفني والتقني. امتزجت فيها عناصر الواقع المعاش بالقضايا العالمية ووسائل التعبير المتغيرة باستمرار سواء كانت ذلك باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو زاوية النظر النفسانية للكاتب نفسه. تُعتبر كتّاب مثل محمد حسن علوان مرة أخرى بالإضافة إلى حسين القحطاني ونورة بنت سعيد الحارثي نماذج بارزة تعكس مساعي الخروج عما اعتادت عليه الأجيال السابقة ومعاصرتها للتغيرات المستمرة بجدارة وشأن كبير.
إن تطور القصة القصيرة في الأدب السعودي يشكل جزءاً أساسياً من تاريخ البلد الثقافي ويُظهر تنوع مواهب وقدرات منتجين أدبيون مختلفون أجروا تغييرات مهمة بتوقيتاتها وزمنها وثقل دورها الثقافي العام تجاه المجتمع والساحة العربية الأكبر مجتمعة.