في قلب موسكو، العاصمة الفاتنة التي تزخر بتاريخها الفريد وعمارتها الأيقونية، كنتُ قد بدأتُ مغامرةً جديدةً لم تكن ضمن خططي السياحية المعتادة. هذه المغامرة كانت استكشافاً عميقاً لعلم النوم والتجارب العلمية المتقدمة التي يُجرِيها الباحثون الروس في هذا المجال. كان هدفي هو التقاط تجربتي الشخصية وتقديم نظرة شاملة حول كيفية عمل العلماء على فهم العمليات الطبيعية للنوم وكيف يهدفون لاستخدام تلك المعرفة لتحسين صحة الإنسان وجودته الحياتية.
عند الوصول إلي مركز البحوث المتقدم لأبحاث النوم التابع لجامعة موسكو الحكومية، شعرت بإحساس غريب مزيج بين التشويق والاستعداد لتحدي جديد غير معتاد. لقد قابلت هناك فريقا من الخبراء الذين يعملون بلا كلل لفهم أسرار نوم البشر. يشير الدكتور سيرجي ألكسندر -الرئيس الفخري للمركز- بأن دراسة النوم ليست فقط قضية علمية بل لها أيضا جوانب نفسية وثقافية واسعة النطاق تحتاج للحراك المجتمعي والعلاقات الدولية.
بدأت التجربة الخاصة بي في غرفة مجهزة بأحدث تقنيات مراقبة النوم والتي تشمل الرصد الكهربائي للدماغ والأطراف والنظر في الصور الدقيقة للعيون أثناء مراحل مختلفة من النوم. خلال ساعات الليل الطويلة تحت أشراف الفريق العلمي, تمكنت من الشعور بمراحل النوم المختلفة؛ بداية بالأشبه بالنوم الخفيف ثم الانتقال التدريجي نحو أعمق مرحلة وهي مرحلة حركة العين السريعة (REM). وفي هذه اللحظات الأخيرة، حسب وصف الفريق، يحدث معظم الأحلام ويتفاعل الجسم بشكل نشيط رغم الظاهر الخارجي للاسترخاء الشديد.
بعد انتهاء التجارب الليلية، انضممت لجلسات حوار مع بعض مرضى المركز الذين يعانون من اضطرابات نوّمية شائعة مثل الأرق والإرهاق المزمن. وقد أفادوا جميعا بفوائد العلاج النفسي والجسدي المشترك الذي يوفرونه لهم. كما شاركت مجموعة صغيرة من الباحثين الشباب حديثين في الدراسات الجينية لنوع معين من النائمين "السائرين"، وهو حالة نادرة تتسم بالسير والكلام أثناء النوم.
وفي ختام زيارتي، زرت متحفا خاصا داخل الجامعة عرض تاريخ البحث الروسي حول موضوع النوم منذ الحقبة الشيوعية حتى يومنا الحالي. وكانت هناك نماذج ثلاثية الأبعاد تعرض عمليات دمج التكنولوجيا الحديثة والدراسة الإنسانية لإنتاج حلول مبتكرة للعناية الصحية المرتبطة بنمط الحياة اليومي للإنسان الحديث.
هذه التجربة أعادت تعريف رؤيتي لما يمكن أن يحققه التفكير المبتكر والمشاركة الأكاديمية العالمية في مجال الصحة العامة. إن القوة الهائلة لدراسة النوم والفهم العميق لكيفية تعزيز الاستقرار العقلي والجسماني لدى الناس ستكون بالتأكيد أساسا هاما للأبحاث المستقبلية ولرفاهيتنا كبشر. إنها حقاً دعوة مفتوحة لكل شخص لبحث أكثر عن العالم المضطرب ولكنه جميل للساعة المحببة لنا جميعا – وقت الراحة والنشأة داخل أحضان مظلمة وأنيقة للغاية تُدعى...النوم!