تعتبر قصص سندباد البحري أحد أشهر الأعمال الأدبية ضمن مجموعة "ألف ليلة وليلة"، وتعد شخصية سندباد واحدة من أكثر الشخصيات شعبية وروعة في التراث العربي القديم. يُعرف سندباد باسم الباحث الشجاع والمغامر الذي يسافر عبر البحار بحثاً عن الثروات والمعرفة. وعلى الرغم من اختلاف الروايات حول كم الرحلات الفعلية لسندباد، إلا أن معظم النسخ المتداولة تتفق على وجود عشرة رحلات رئيسية له. سنستكشف هذه الرحلات الرائعة مع محاولة فهم دوافعها وأثرها في عالم الأدب العربي.
في أولى رحلاته، انطلق سندباد هارباً من عمله القاسي كعامل بسيط إلى حياة البحر اللامحدود. كانت رغبته الأولى هي تحقيق الحرية والاستقلال الذاتي. خلال تلك الرحلة، واجه العديد من المخاطر مثل الزلازل والجراد والعاصفة الرعدية، لكن شجاعته وحنكته سمحت له بالمضي قدماً نحو الأمان مرة أخرى. وفي رحلته الثانية، تحولت مغامراته إلى طريق التجارة حيث اكتسب ثروة كبيرة باكتشاف الجزر الغنية بالذهب والتوابل والأحجار الكريمة. أما الرحلة الثالثة فكانت مختلفة تمام الاختلاف؛ فقد وجد نفسه أسير الملك الهندي بعد صداقة غير مقصودة مع ملك البحر! هنا تعلمنا قوة الصداقة والثقة حتى بين البشر والبحر والشياطين أيضاً.
وفي الرابعة والخامسة والسادسة سافر سندباد إلى مناطق جديدة لم يزورها قبل ذلك، بما فيها جزيرة الحيوانات العملاقة وجزيرة الجنّ وجزيرة الأعشاب الحية الطائرة. كل منها حمل درساً جديداً حول الطبيعة الإنسانية وظلم العالم الخارجي بالنسبة للمغلوبين عليه. بينما تشهد الرحلتان السابعة والتاسعة انتصار سندباد على الشر والظلم عندما واجهه لصوص وخاطفو الأطفال الذين سرقوه وبيعه عبداً لدى حاكم عادل عرفه فيما بعد وعاش معه لحين تمكن من الفرار مجدداً.
بينما تُظهر الرحلة الثامنة جانب آخر من شخصيته وهو الجانب الآسر للقصة الإبداعي؛ إذ يستعين هناك بالساحرات لإعادة أمواله المسروقة من قبل قطاع الطرق ويُنقذ ابنه أيضًا ممن كانوا يحتجزونه كرهينة منهم. وبنظرة فلسفية، يمكن اعتبار هذا الفصل تجربة إنسانية رائعة تبحث في مفاهيم الحق والخير مقابل الشر والإثم وما هو حق حق حق حق حق حق حق حق حق حق حق؟
وتظهر الأخيرة -الرحلة العاشرة- كيف أنه رغم جميع المغامرات المذهلة، فقد اختار سندباد نهاية سعيدة لرجل أعمال ناجح يعيش برفاهية وممتلكاته الضخمة بدلاً من مواصلة حياته كبحار متجول دائم البحث عن المزيد من الخطر والاستكشاف. إن ما تقدمه لنا قصة سندباد ليس مجرد حكايات بحرية مشوقة وإنما رسائل مهمة حول قيمة الحياة والحياة الاجتماعية والقوة الداخلية للفرد وتحقيق الذات وغيرها الكثير داخل غلاف واحد ممتلىء بالأحداث المثيرة والسرد الشعري المؤثر. إنها تعكس بشكل جميل مزيج الثقافتين الشرقية والغربية بتنوعهما وثرائهما المعروف عنهما تاريخياً. إنه بالفعل عمل أدبي خالد تستحق إعادة تدويره عبر وسائل الإعلام المختلفة ليصل لكل قارئ مهتم بمعرفة ثقافات الأمم الأخرى منذ القدم وحتى اليوم الحديث.