تعدّ قصة أصحاب الفيل واحدة من أشهر القصص القرآنية التي تحمل بين طياتها درسا عميقا حول أهمية التعاون والتكاتف الإنساني، فضلا عما تتضمنه من معجزات الله وتدبيره للأحداث وفق مشيئته. هذه القصة المسجلة في سورة الفيل تشير إلى حادثة تاريخية وقعت قبل مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما حاولت قبيلة حمير اليمنية غزو المدينة المنورة باستخدام جيش كبير من الجنود والفيلة المدربة. لكن نية هؤلاء الغزاة كانت محكوم عليها بالفشل بسبب التدخل الإلهي وسلطانه المطلق.
في تلك الليلة المشؤومة، خرجت مجموعة من الأفيال الضخمة تحت قيادة أبو عفراء الأشرم، أحد أمراء الحميريين الذين سعوا لتدمير الكعبة بمكة المكرمة وبالتالي تحطيم مركز قوة وثني معروف آنذاك. ومع ذلك، فإن تقديراتهم وخطة هجومهم لم تأخذ بعين الاعتبار قدرة الخالق جل وعلا ورحمته الواسعة بالعالمين. فعندما اقتربت الجيوش من مكة، حدث ما لم يكن بالحسبان؛ فقد أصابت الأفراس بشلل مفاجئ نتيجة نزول ملك الموت عليهم وأمره لهم بالتوقف عند حدود الحرم الشريف مما أدى لفقدان السيطرة عليها وانكسار الجيش كليا.
هذه الحادثة العظيمة والتي ذُكرت مباشرة بعد خلق آدم بأبي البشر -عليه السلام- حسب بعض الروايات التاريخية، تعتبر شاهدا واضحا على تدخل رب العالمين لحماية بيته المقدس والكعبة أول بيت وضع للناس لعبادة خالقهم وحده لا شريك له. كما أنها تعكس أيضا جانبًا مهمّا وهو ضرورة الاعتماد المتبادل والمشاركة المجتمعية للقضاء على أي خطر محتمل. فبعد رجوع الناجين سالمين ولجوء الباقين لله طلبا للمغفرة والعفو، اتحد الناس وصارت رسالة التعايش السلمي أساس مجتمعي راسخ حتى اليوم.
وتظهر لنا نهاية هذا الحدث المؤسفة كيف يمكن لقوة الحق والقوة الإلهية أن تغلب كل مخططات الشر والفساد مهما بلغت جبروتها ونفوذها الظاهري. إن ذكر قصتنا هنا ليس فقط لتعزيز عقيدة إيمانية بل لاستخلاص الدروس المستفادة منها وهي ضرورية لكل عصر جديد حيث يعيد المرء التفكير مجددًا فيما يشهده العالم حاليًا بشأن انتشار الفتن والأحقاد بين الأمم والثارات والحروب الصراعية غير المحسوبة عواقبها. ومن ثم تبقى دعوات الرحمة والتآزر والتآلف هي الحل الأمثل لمنع الانجراف نحو دوامة الكراهية والسعي خلف الرذائل بدلاً من الأخلاق النبيلة والمعنويات سامية الدرجة مثل التراحم والتسامح وغفران الزلات وتحقيق العدالة الاجتماعية لتحقيق الهدف الأعظم وهو رضا الرب سبحانه وتعالى.