في تلك الأثناء، كانت كل الفضائل والرذائل قد تخفت، إلا الحب، الذي بقي شامخًا رغم كل شيء. فالحب، كما هو معروف، لا يقدر على اتخاذ القرارات بنفسه، ولا يستطيع التخفي. إنه كالشمس التي لا يمكن إخفاؤها، ولا يمكن إلا أن تشرق وتضيء طريق من حولها.
وصل الجنون إلى نهاية تعداده، وقرر أن يقفز فجأة في باقة من الورود التي وجدها أمامه. صاح الجنون: "تسعة وتسعون، مئة، أنا آتٍ، أنا آتٍ إليكم!" كما توقع الجميع، كان الكسل أول الخاسرين، فهو لم يحاول بذل أي جهد لإخفاء نفسه. أما الكذب فقد انقطع نفسه واستسلم خارجًا من البحيرة.
كانت الرقة مكشوفة على سطح القمر، ولم يبذل الجنون أي جهد في العثور على الشوق، فقد وجدهم جميعًا دون عناء، إلا الحب. فقد جال الكون كله في محاولات يائسة للبحث عنه. بحث و بحث و بحث، لكن دون جدوى. إلى أن جاء الحسد وقام بوضع بصمته قائلاً للجنون: "الحب يتخفى في باقة الورود".
ركض الجنون إلى الورد ملتقطًا شوكة خشبية كالرمح مستخدمًا إياها في طعن الورد بشكل عشوائي وطائش ليجبر الحب على الخروج. استمر الجنون في طعناته حتى سمع صوت الحب باكياً لأن الجنون قد أصابه في عينه وجرحه. ندم الجنون على فعله صائحاً: "يا إلهي، ما هذا الذي فعلت! ماذا أفعل! لقد تسببت في إصابة الحب بالعمى".
أجابه الحب بصوت ضعيف: "لن يعود بصري إلي يوماً بعد الآن، لكن ما زال هناك ما يمكنك أن تفعله: كن دليلي". وهكذا أصبح الحب أعمى، وصار الجنون هو دليله. منذ ذلك اليوم، يمشي الحب جميع خطواته أعمى، والجنون يقوده. إنها قصة حب أعمى، حيث يجد الحب الهداية في عالم الجنون.